لم ترفض طلب أمها وقامت خارجة من الغرفة، متجاوزة الشرفة والمسافة التي تفصل البيتين باتجاه المطبخ. وصلت ووقفت بباب الغرفة، استجمعت قواها ومدت يدها تتحسس مفتاح الكهرباء في الحائط، وقد قفزت كل حكايات الجن والعفاريت سريعًا إلى ذاكرتها، فتخيلت أن هناك الكثير منهم يجلس الآن في هذه العتمة ويمارس وجوده بطريقة غامضة لا تدركها، وبأنها حين ستشعل النور ستعكر ليلتهم مما سيدفعهم للهجوم عليها. ارتعبت وشعرت بحاجة كبيرة للصراخ عل أحدهم يأتي لنجدتها مستدركًا المصيبة التي ستحل بها. واصطدمت يدها بمفتاح الكهرباء فضغطت عليه بسرعة وكأنها بشجاعة اضطرارية تطلق الرصاصة الأولى في معركة لا تعرف من سيكون ضحيتها.
ارتدت إلى الوراء بعض الشيء. أدارت وجهها باتجاه غرفتهم باحثة عن أي معلم يشير إلى الحياة الحقيقية، يكون نصيرها في هذه المعركة. لم تر شيئًا وكان لا مفر من المواجهة. بحذر شديد بدأت تنقل نظرها إلى الأمام. ودائرة النظر راحت تميل للاستقامة وتأبى الميلان باتجاه الغرفة المنارة.
شعرت لحظة بالاستخفاف بذاتها ومن هذا الخوف المعيب وحاولت أن تقنع نفسها بأن كل ما تفكر به هراء تافه وليس لكل ما تتخيل من وجود. وتقدمت خطوة، إلا أن الخوف كان أقوى فكانت خطوتها بطيئة.
وفجأة خطرت لها فكرة بأن تكون الخطوة القادمة إلى الوراء لتتلوها خطوات أسرع وأسرع كي تستقر في النهاية بجانب أمها. لكنها تذكرت الطلب- كأس ماء. ما أسهله من طلب. سأجلبه وستشرب ولن تعرف أبدًا أي زمن عشته في هذه اللحظات- فكرت بداخلها، واستدركت: -الآن سأدير وجهي وبنظرة سريعة سأدرس المكان، طريق العودة ورائي أعرفه جيدًا، سأهرب وسأصرخ، وسأوقظ النيام إذا كان لا بد من ذلك. تحصنت بهذه الأفكار التي مدتها بشيء من القوة ونظرت أمامها بحركة سريعة.
كانت الطاولة التي تحمل بابور الكاز وبعض الأواني والكاسات في مكانها تحت النافذة كما تركوها قبل المساء. وبجانبها الخزانة القديمة التي خصصت رفوفها العليا للأواني، ورفوفها السفلى للمؤن التي قليلًا ما تكون موجودة، أما الواجهة المقابلة للباب والتي كان ينام فيها الأب قبل موته، فقد باتت ركنًا للأكل في النهار إذ يفرشونها بفرشات إسفنجية رقيقة السماكة، تطويها الأم مساءً على صندوق قديم في الجهة المقابلة للمائدة والخزانة، تاركة مكان الأب لخوائه الموحش.
كل شيء ساكن لا يوحي بأن أحدًا قد عبث به.
وبرغم ذلك -فكرت- فالجن غير مرئي.