شعرت بالرعشة تجتاح جسمها وهي تتقدم باتجاه المائدة حيث سطل الماء والكاسات.
ماذا لو أمسك بيدها الآن وهي تغرف الماء؟
ماذا لو فاجأها من الخلف، أو قفز من النافذة، أو من سطح الخزانة حيث يجلس الآن هناك ويراقبها.
وباتت تلك اللحظات عمرًا مشبعًا بالكوابيس وانصهرت كل أحلامها بالحياة في حلم واحد، هو أن ينتهي هذا الرعب وتعود سالمة إلى جانب أمها.
ثم أدركت أن السرعة هي سندها الوحيد في هذه المحنة، فمشت شبه راكضة باتجاه السطل وهي تحاول أن تركز نظرها عليه متحاشية النظر إلى أي شيء آخر، تناولت كأسًا، وغرفت الماء بيد ترتجف.
بالفعل، فقد صدقت مخاوفها. خرج العفاريت من جحورهم، وقفز الجن من السقف والنافذة قارعين طبولًا تنذر بالغضب الشديد على من تجرأ واقتحم مأواهم ساكبين الماء عليها وعلى الأرض والمائدة. فحملت الكأس وولت هاربة دون التفات إلى الخلف لإبقاء نظرة على ما يجري وراءها. دخلت الغرفة لاهثة ويداها ترتجفان.
سألتها أمها بقلق عن سبب القرقعة التي سمعتها فأجابتها:
-لقد خفت كثيرًا من العتمة وخيل إليّ أن أشباحًا تتحرك فيها ونتيجة الخوف،- استمرت بتردد، لا أدري قد أكون سكبت سطل الماء..!
علقت فاطمة:
-وأنا لا أعرف من أين لك هذه الحماقة!
وقامت من مكانها قاصدة المطبخ لترى ما الذي حدث. لكنها عندما وصلت باب الغرفة وقفت متنصتة إلى ضجيج كان قريبًا من باب الباحة الخارجي وعلى وجهها علائم التساؤل، فقد توقفت السيارة أمام بيتهم. لا ريب في ذلك، لكن من سيكون زائر المساء هذا؟ صمت الجميع بانتظار طرق الباب إذا كان الزائر يقصدهم.
أيقظها في الصباح الضجيج الذي أحدثته أمها وهي تحرك مفتاح المدفأة باتجاهات مختلفة كي تكتسب نارها وهجًا أكثر زرقة، وكانت المدفأة قديمة من طراز (فوجيكا) المصنوع محليًا تقليدًا للأصل الياباني.
قالت الأم:
-الفتيل بحاجة للتبديل، فقد تلف ولم يعد صالحًا للاستعمال.
وبالفعل فقد كان يخرج من المدفأة بعض الدخان نتيجة عدم احتراق الكيروسين الكامل وتحوله لطاقة حرارية، فيملأ الغرفة برائحة ثاني أكسيد الكربون الكريهة مسببًا فيما بعد الصداع في الرؤوس.
وما إن قامت مريم من فراشها الدافئ حتى لسعها البرد فأسرعت متخذة لنفسها مكانًا بجانب المدفأة لتخزن في جسمها شيئًا من الدفء يساعدها على بدء يومها.