كان صباح خميس في أوائل شهر كانون الأول في إحدى السنين الغابرة. ويوم الخميس عادة كانت تحضر أختها شماء من العاصمة، حيث تكمل هناك تحصيلها الجامعي لتقضي نهاية الأسبوع مع عائلتها.
خرجت مريم من الغرفة بعد أن ارتدت جاكيتًا صوفيًا قديمًا فوق بيجامة قطنية أوشكت على التثقب في منطقة الركب، أما البلوزة التي ورثتها عن شماء، فقد توبرت كثيرًا مما جعل الشعر المتساقط من رأسها بعد عملية تصفيفه يلتصق بالوبر. وبقيت قدماها حافيتين. فراحت تبحث في باحة الدار عن حذاء تحتذيه، وما زالت الرؤية غير واضحة أمامها نتيجة انتقالها المفاجئ من الغرفة المظلمة نسبيًا إلى الخارج حيث سطعت الشمس في سماء صافية. وتعجبت كيف لم تقو شمس بهذا السطوع على بعث الدفء في الجو. ثم رأت شبشبًا تحت خزان المياه المحمول على جدارين منخفضين من طوب صفط بعضه فوق بعض بلا دقة أو مبالاة، فاتجهت نحوه وهي تمشي على رؤوس أصابعها كي لا يلامس قاعا قدميها المسطبة الباطونية الباردة المرتفعة عن مستوى الأرض بمقدار درجتين، والتي كانت بمثابة عتبة ومدخل للغرفتين الطينيتين في أيام الشتاء أما في الصيف فكانت ملاذًا من الحر في الغرف، فكانوا يفرشونها ويجلسون قاضين سهراتهم تحت السماء المرصعة بنجوم كان يحلو لمريم أن تراقبها طويلًا.
سحبت بيدها الشبشب البلاستيكي المتقلص إلى درجة التيبس وأدخلت قدميها فيه ببطء وهي تقاوم بردًا لامسهما، محاولة اعتياده.
انحنت لتحرك مقبض الحنفية المتدلية من أسفل الخزان فتدفق منها ماء بارد لم تستطع أن تبقي يديها تتبللان به طويلًا، فسحبتهما بسرعة وأخفتهما تحت إبطيها فترةً قصيرة، ثم عاودت الكرة: ألصقت أحد كفيها بالآخر وأحنتهما معطية إياهما شكلًا مقعرًا، فتجمع فيهما ماء بارد سرعان ما رشقت وجهها به حابسة أنفاسها ثم شهقت من شدة البرودة. أدارت المقبض بالاتجاه الآخر فكف الماء عن السيلان ونهضت لتعود مسرعة إلى الغرفة.
كانت الرياح الشرقية الباردة تهب في هذا الوقت تلسعها وتمتص الرطوبة بعطش مما كان مكشوفًا من جسمها، تاركة وراءها وجهًا ويدين وقدمين قد تقشرت وتسطح جلدها.
دخلت، نشفت وجهها وهي تشعر بألم نتيجة الجفاف والتسطح، ولاحظت أمها ذلك، فقدمت لها دهون"الفازلين"الذي تقتنيه عادة كعلاج سحري ورخيص لحالات مختلفة، من تقشر وجفاف الجلد إلى الجروح والدمامل.