تناولت مريم بإصبعها كمية من الفازلين ودهنت وجهها ويديها وقدميها ليشكل طبقة دهنية سميكة وعازلة يمتصها جلدها ببطء.
وسألت وهي تدلك يديها:
-أين فاطمة؟
-في الغرفة الأخرى تعد الإفطار، انظري إذا كانت تحتاج لمساعدة.
في الغرفة الأخرى جلست فاطمة مقرفصة على الأرض في الزاوية وقد ثنت قدميها كي لا تلامس مؤخرتها الأرض الباردة، وراحت تغسل كاسات الشاي بماء سخنته وبمسحوق غسيل يستعملونه لجميع الأغراض المنزلية بما في ذلك الحمام.
وقد غطت أرض الغرفة طبقة أسمنتية -كانت بمثابة البلاطة- مدت بميلان خفيف ينحدر باتجاه الزاوية لينتهي بماسورة لتصريف المياه تخترق الحائط لتصب في الطرف الآخر في حفرة كانت تفوح منها رائحة كريهة بسبب ركود المياه القذرة فيها وبسبب تبول الأب فيها ليلًا موفرًا على نفسه مشقة الذهاب إلى المرحاض الذي يقبع وحيدًا بعيدًا عن الغرف.
دخلت مريم وألقت تحية الصباح على فاطمة ثم سألتها إذا كانت تحتاج إلى مساعدة فأجابت فاطمة:
-نعم. اسكبي جزءًا من اللبن الرائب وحضري الخبز كي يفطر أبي.
تململ الأب في فراشه، فبدأ واضحًا أنه لم يكن نائمًا بل مستيقظًا بانتظار دعوته للأكل. ولأن أمر نومه أو صحوه كانا سيّانِ لجميع أفراد الأسرة، فقد بقى مستلقيًا في فراشه.
تقدمت منه مريم ورفعت الغطاء عنه وهي تتذمر من ثقله.
كان غطاء أبيها عبارة عن بطانية قديمة ولحاف من الصوف ثقل وزنه كثيرًا بسبب الرطوبة وعدم تنفيش وتشميس صوفه منذ زمن بعيد.
-نعم لقد تكسرت جوانبي منه- أجابها الأب واستطرد: -أنتن في الغرفة الأخرى تنمعن بدفء المدفأة، أما أنا هنا فأمك تنتظر اللحظة التي أتجمد فيها وأموت من البرد.
قال ذلك وهو يحاول النهوض كي يجلس، فساعدته مريم مبدية حيادية تجاه كلامه، ورفعت المخدة ووضعتها وراء ظهره كي تعزله عن الحائط البارد، ثم انحنت وتناولت ببرود السكين التي ظهرت على الفرشة بعد أن رفعت المخدة، فلم يكن ذلك بالمنظر المفاجئ لها إذ كان أبوها يضع السكين تحت مخدته دائمًا قبل أن ينام معتقدًا أن أحدًا ما سيقتحم الغرفة عليه ليلًا. فسألته:
-ألا تقول لي متى ستكف عن هذه العادة؟
فتمتم الأب في البداية بكلام غير مفهوم، ثم بدأ صوته يميل إلى الوضوح حين ادعى بأنه قبل ليلتين سمع خربشة وضجيجًا عند النافذة، حيث كان أحدهم يحاول دخول البيت من خلالها، ولولا أنه قام من فراشه حاملًا السكين بيده وصارخًا لما اختفى الآخر. فسألته فاطمة: