-وهل استوضحت فيما بعد من كان؟
صمت الأب قليلًا ثم قال بصوت منخفض:
-على ما يبدو كانت قطة!
انفجر ضحك الأختين عاليًا. فنظر إليهما الأب في البداية وبعينيه تساؤل، ثم راح هو الآخر يضحك وكأنه اكتشف فجأة بأن ما رواه عبارة عن طرفة! اهتزت كتفا الأب اللتان برزت عظامهما نتيجة النحول وهو يضحك فبدا كطفل بائس نادرًا ما يداعبه أحد. أثار منظره شفقة عارمة في قلب مريم فتوقفت عن الضحك، وتوقفت فاطمة أيضًا وسألت:
-حتى لو كان ما تعتقده صحيحًا، أتظن بأن هذه السكين المثلومة التي لا تقوى حتى على قطع الماء ستحميك!؟
-على الأقل سأخيفهم بها.
-ومن هم؟ القطط؟
-اللصوص.
-وماذا سيسرق اللصوص؟
-سيجدون ما يسرقون!
لم تستطع فاطمة ولا أحد من قبلها أن يقنع أباها بعبثية مخاوفه، واستمر هو في الزمن القليل الباقي من عمره يضع السكين تحت مخدته قبل نومه. استسلم الجميع لهذا السلوك واعتبروه أحد مظاهر الشيخوخة والمرض، ولم يدر بخلد أحد أنه قد يكون أحد مظاهر الوحدة!
وهذا ما اكتشفته مريم بعد زمن طويل حينما كانت تتذكر أباها.
أعدت فاطمة ومريم الفطور. وكانت الرياح الشرقية ما تزال تهب في الخارج مثيرة للغبار ومنذرة بفصل شتاء جاف.
راحت مريم تساعد أباها على الأكل، فقد كان جسده الأيمن يرتجف بشدة نتيجة خلل في الأعصاب، أصابه في الماضي البعيد الذي لا تعيه. ونقلت فاطمة الصحون إلى الغرفة الأخرى ثم لحقتها مريم بعد إنهاء مهمتها. تحلق الجميع على الأرض تتوسطهم صحون الطعام القليلة، وشرعوا يأكلون. ومن جديد تكررت المصادفة التي تحدث دائمًا. كان أخوها قاسم يأتي بصحبة بعض أطفاله لزيارتهم في أوقات تتصادف مع وقت الطعام عادة. اكفهرت مريم وحاولت فاطمة أن تتعامل مع الأمر ببرودة، أما الأم فراحت توسع لهم مكانًا وتدعوهم للمشاركة في الأكل.