-معك حق، ولهذا ما كان يجب عليه أن يسافر في الأصل، لقد كان بإمكانه العمل والبقاء هنا قائمًا مقام الأب، لكنه فضل السفر، وها قد عاد فاشلًا فارغ اليدين. لا أدري ماذا كان يفعل هناك طول هذه المدة. وأين كان يضيع النقود التي كان يجنيها.
وقد كانت عائشة تشير إلى أنه كان يجني نقودًا لكنه كان ينفقها في ملذات وترف معيب، كما فهموا من تلميحات عن ذلك من أشخاص في القرية سافروا معه للعمل في الخارج.
ردت الأم:
-لا تقولي ذلك، فهو أخوك الوحيد!
-ما قلته هو الحقيقة، والحقيقة هذه أقولها كي تفهمي من هو ابنك الوحيد هذا، شخص أناني لا يحب إلا ذاته ولا يفكر إلا في ملذاته.
لم يعجب الأم كلام ابنتها وراحت تبرر لابنها:
-لست محقة. إن ما حصل هو قدره. ولا حيلة للإنسان أمام القدر!
وبرغم اختلاف وجهات نظر الأم وعائشة حول شخصية قاسم وسلوكه فإنهما اتفقتا في نهاية الحديث على أن تبقى وجهات النظر هذه في داخل البيت، وأن تبدي الأخوات فرحهن بقدوم قاسم أمام الآخرين من الأقارب والجيران، حيث يجب على الواحدة منهن حتى ولو امتلأ فمها بالدم أن تبلعه بدلًا من أن تبصقه فيعرف الناس ما بها من هم، لأن بيت النساء الخالي من الرجل ذو سقف منخفض يسهل على الآخرين أن يدوسوه.
سمعت مريم الحديث الدائر وتخيلت أن سقف الغرفة ينخفض وينخفض ليلامس رأسها ضاغطًا عليها خانقًا إياها. تنهدت مؤكدة لنفسها أنها ما زالت قادرة أن تملأ رئتيها بالهواء. ثم شعرت بمرارة وقرف حين تذكرت فكرة الفم المليء بالدم فبصقت.
إلا أن المرارة بقيت عالقة بحلقها زمنًا طويلًا.
كان قاسم متوسط الطول، بشرته برغم بياضها في الأصل مسمرّة نتيجة تعرضها الطويل لأشعة الشمس، ذا أنف كبير وعينين صغيرتين بلون عسلي شفاف يشعان بريقًا ينم على غرور وأنانية.
ومنذ قدومه راح يعلن عن وجوده في البيت الذي غاب عنه طويلًا، وذلك بمتطلبات وتذمر لا ينتهي من الفقر الذي يحمل الجميع مسؤوليته، فالأب مريض، والأم لم تنجب له أخًا يساعده على تكوين نفسه، والأخوات عددهن كثير ولا فائدة ترجى منهن.
ولم يمض وقت طويل حتى وجد عملًا، فقد وافق أحد الأقارب الذي يعمل متعهدًا في البناء على تشغيله معه عاملًا، بعد أن توجهت الأم إليه بطلب المساعدة.
تنفس جميعهم الصعداء حينئذ. فها هو أخيرًا سيجني نقودًا، ثم إن وجوده في البيت مؤخرًا كان سببًا لتوتر دائم فيه، كونه بالإضافة لما سبق عصبيًا حاد المزاج.