فهرس الكتاب

الصفحة 820 من 1574

وباشر قاسم العمل. داوم الأسبوع الأول بانتظام، فكان يخرج صباحًا ويعود مع حلول المساء، لكنه بعد فترة قصيرة سرعان ما أصبح يعود إلى البيت مبكرًا. تساءلت الأم بشك بعد أن تكرر ذلك:

-هل أنهيت العمل؟

-نعم

-لكن نصف النهار لم يمض بعد!؟

-أعود متى ما طاب لي ذلك!

-وعملك يا بني؟

فاحتد وقال وبنبرة متعالية:

-فليذهب إلى الجحيم هو وعمله. أيعتقد أنني غلام صغير خلقت لتلبية أوامره؟!

قالت الأم باضطراب:

-لا بد أنك مخطئ في تقدير الأمور يا بني، فالرجل طيب وافق على تشغيلك مساعدة للعائلة برغم أن لديه من العمال ما يكفيه، ولا أعتقد أنه عاملك بطريقة سيئة، فالمعروف عنه أنه حسن السلوك والتعامل مع الجميع.

ازدادت لهجة قاسم حدة:

-أجل. أجل. أنا المخطئ! قولي ذلك ولا تترددي، فأنا أعرف ما تفكرن به، الكل أسوياء إلا أنا الأعوج الوحيد في العالم، وكي أبقى سويًا بنظركن يجب علي أن أتحمل إهاناته وأوامره التي لا تنتهي: اسكب الماء يا قاسم، احمل السطل يا قاسم.

فقاطعته الأم:

-وهل توقعت أن يشغلك مديرًا وراء مكتب؟

فعلا صوته وبعصبية قال:

-لا! ولكني لم أتوقع أن يعاملني بهذه الطريقة، وكأني شخص تافه. لن أتحمل بعد الآن هذا الذل… فأنا..

استفز كلامه عائشة، فلم تستطع الصمت وقاطعته:

-ومن تكون أنت؟ أتظن نفسك..

وقبل أن تكمل كلامها. كان الشرر قد تطاير من عينيه وقفز باتجاهها صافعًا إياها بكف ثقيلة أحدثت رنينًا عندما لامست وجهها بسرعة وقوة. وراح ينهال عليها وعلى شماء التي هرعت لنجدتها بالضرب والشتائم مفرغًا كل حقده على الحياة فيهما، محملًا إياهما من جديد المسؤولية فيما هو عليه من بؤس.

وتدخلت الأم تحاول إبعاده عن أختيه وصرخت حين طالتها بعض اللكمات طالبة النجدة من أي كان. أما فاطمة فوقفت متجمدة في الزاوية بداية ثم تدخلت لنجدة أختيها وأمها وتلتها مريم، ليتحول الجميع إلى كتلة واحدة ترابطت بأيد لا يميز الناظر من فوق لمن تعود هذه اليد أو تلك، تتحرك باتجاهات مختلفة ويصدر منها صراخ وبكاء بقي يطن بأذن مريم زمنًا طويلًا!

كان السعال المتقطع الذي يطلقه الأب وصوت آلة الخياطة هما كل ما يمكن سماعه من خلال نوافذ الغرفتين الطينيتين.

أما الضوء الأصفر الذي انبعث من تلك النوافذ فقد كان يوحي بانسجام عفوي، كئيب مع اللون البني للجدران.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت