فهرس الكتاب

الصفحة 821 من 1574

وامتد ظل السياج الغربي المنخفض الذي يحيط بالساحة ليغطي كل شيء فيها حاجبًا بقايا ضوء أرجواني كانت تسحبه الشمس بهدوء وهي تختفي وراء الهضاب.

وعلى الجهة الشرقية للسياج جلس قط أسود ينتظر العتمة كي يتوحد معها ليتسنى له التسلل إلى خم الدجاج القابع في الزاوية التي تصل جدار الغرفة مع السياج من الجهة الجنوبية.

كان القط صامتًا، ساكنًا وكأنه مغرق في التفكير. وبدا كنتوء في سطح السياج، منظره أوحى بالجوع، فعلى ما يبدو لم يكن يجد ما يكفيه من الطعام في النفايات التي ترمى أمام البيوت مساء، ليقوم هو وغيره من القطط بنثرها على الأرض بحثًا عن عشاء فيها.

لكنه الآن قد طمع بوجبة أدسم، خاصة وقد بدأت تظهر في النهار بعض صيصان صغيرة تتمشى في الساحة بجرأة وحرية، فقد كانت الحراسة مشددة من قبل الدجاجة الأم ومن الناس الذين لا يكفون عن الحركة في اتجاهات مختلفة، فينسحب مبتعدًا بالعًا ريقه مطأطئًا رأسه تعتريه مشاعر الخيبة حينما تفشل كل محاولاته بالاقتراب.

وها هو الآن جالس بهدوء ينتظر الظلمة، كان يدرك بحدسه أن الناس سيسكنون بدورهم في جحورهم، ولن يشكلوا عقبة في طريقه، أما الدجاج الكبير فهو قادر على التصدي له وسيتحمل منه بعض الخدوش. فبالنهاية ليس هو الهدف. والهدف -وما ألذ- هو ذلك الصوص الصغير المكور الذي تمشى أمامه نهارًا مستفزًا لكل رغباته.

سيحصل عليه إذا بذل جهدًا، وسيبتعد به، وسيجد لنفسه مكانًا آمنًا من الناس والقطط الأخرى. سيأكل وينام مشبعًا أحلامه ومعدته. كل ما عليه فعله هو التسلل بهدوء زاحفًا على بطنه دون إثارة ضجيج، فالضجيج سيخرج الناس من جحورهم ليحطموا كل خططه وآماله.

لم يكن القط متسرعًا في تنفيذ كل ما كان يدور بخلده، فجلس هادئًا على حافة السياج. ولم يكن يعلم أن خيبته الجديدة لن يكون سببها الضجيج ولا القطط الأخرى.

ولا أي شيء آخر حسب حسابه طويلًا. وإنما ذلك البريق القوي الذي ما أن حلت العتمة حتى أخذت عيناه تشعان به وكأنهما نجمتان في سماء واطئة. سرعان ما لاحظتهما الأم حين خرجت من الغرفة. فتناولت حجرًا صغيرًا ورمته به لاعنة إياه شاكة بنياته. ماء القط بصوت عال حين فاجأه الحجر. وقفز بسرعة عن السياج وولى هاربًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت