فهرس الكتاب

الصفحة 822 من 1574

اتجهت الأم إلى خم الدجاج كي تتيقنّ من إغلاقه فأضافت بعض الحجارة وسدت جميع الثغرات التي خلفتها سابقًا، شاتمة القطط بكل ما أسعفتها به ذاكرتها من شتائم، ثم عادت إلى الغرفة، وهي تلعن بانفعالية مبالغ بها القطط الجائعة التي تعكر صفو البال وتوجب عليها الخروج مرارًا إلى الساحة كي تطردها. وكأن الأم بذلك وجدت مبررًا لحركتها المتوترة ومنفذًا تفرغ من خلاله الحنق والغضب الذي تركه في نفسها شجار النهار مع قاسم.

وفي الغرفة جلست عائشة وراء آلة الخياطة متجهمة الوجه تتابع ما بين يديها دون أن تعير انفعال أمها اهتمامًا يذكر، وراحت فاطمة ومريم تحاولان إغلاق بابي خزانة الملابس المتواجهين بأن ربطتا حبلًا صغيرًا وصل ما بين مقبضيهما. أما شماء فكانت كئيبة، تحاول القراءة في كتاب. حين لاحظت انفعال أمها سألتها:

-هل أغلقت خم الدجاج جيدًا؟

-بلى. لكن القطط ماكرة!

-إذًا اجلسي واطمئني، فالقطط لن تستطع زحزحة الأحجار!

جلست الأم وأخذت تتمتم بكلام غير مفهوم. وظلت عائشة تخيط دون أن تظهر اهتمامًا بالحديث. بل ركزت نظرها على ما تخيط، وبحركات سريعة، بدت أسرع بكثير من العادة، راحت تضغط بقدميها على دعسة الآلة.

وبرغم حوار شماء مع أمها فإنها لم تفتأ تتحسس الخموش التي تركتها أظافر قاسم على وجهها. قالت وهي تفكر:

-لن أذهب غدًا إلى المدرسة. سأدّعي المرض!

وبدون أن ترفع عائشة رأسها قالت بنبرة حادة:

-ستذهبين إلى المدرسة ولن تدعي المرض!

-ولكن انظري إلى وجهي، كيف سأبرر ذلك؟

وانفجرت حينئذ عائشة:

-لا حاجة للتبرير. اذهبي إلى المدرسة فقط. أم أنك تريدين أن تجلسي مثلي وراء هذه الآلة الملعونة كي توفري لأخيك ثمن علب السجائر؟! هذا هو ما يريده بالضبط، أن تخرجن من المدرسة لتشتغلن بأي عمل كان، حتى ولو.

وصمتت ولم تجرؤ على لفظ ما دار ببالها، ثم استمرت: -حتى ولو خادمات في بيوت الآخرين كي يجلس هو شيخًا في صدر البيت يأمر ويضرب.

وظهرت الشهقة في صوتها ولم تستطع أن تكمل كلامها لأنها انفجرت في بكاء عنيف كانت قد حبسته في صدرها بعد الشجار بكبرياء، مخفية شعورها العميق بالإهانة!

أما مريم فشعرت بأن ذهنها بدأ يعي العالم والحياة، فراحت تبكي معها بنفس الحدة والألم. بينما أخذ عالمها الصغير يكبر ويكبر متحولًا إلى وحش كبير يوشك أن يلتهمها ويقضمها بأسنانه الحادة. وودت كثيرًا لو تبقى طفلة إلى الأبد، كي لا يكبر عالمها ذاك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت