فهرس الكتاب
-لو بقي في الخارج لكان أفضل، فمنذ أن عاد اشتعلت المشاكل في البيت. وما من هيبة للأب كي يمسك بزمام الأمور ويبعث الرهبة في قلب هذا الولد الطائش. فقالت عائشة:
-دعي زوجك بحاله فهو مريض ومسكين. ثم ليس هذا موضوعنا
وصمتت فترة قبل أن تكمل ثم قالت وهي تفكر:
-ولم لا إذا كان فعليًا ينوي العمل. دونمان أو ثلاثة من الأرض لن يغنيانا.
فلنبع وليشتر ما يحتاجه من أدوات العمل، لعله أخيرًا يعقل ويبدأ بتحمل المسؤولية.
راحت الأم تنظر باندهاش وإعجاب شديد بابنتها التي تتكلم بمنطق الحكيم العجوز بالرغم من صغر سنها النسبي. أحست بثقل قد زال عن كاهلها، وبعاصفة تهدأ في الأفق قبل أن تثور.
وتقرر أن يزورا العم إبراهيم في المساء.
يُحكى أن أبا قاسم رحل في شبابه من بيت أبيه ودخل الجيش ثم حارب في فلسطين إذ أصيب هناك بشظايا قنبلة جعلت الجزء الأيمن من جسمه يرتجف. ويقال أيضًا إن هذه رواية غير صادقة وإن أبا قاسم ولد بهذا الشكل. المهم إن مرضه ذاك قد زاد من سوء وضعه في أسرة أبيه، فعانى منذ نشأته تمييزًا واضحًا في علاقة أبيه بأبنائه.
كان لأبيه، وهو أحد وجهاء العشيرة الكبيرة في القرية، زوجتان، إحداهما أنجبت له أبا قاسم وابنتين والثانية وهي المحببة لديه أنجبت ثلاثة أولاد وثلاث بنات.
ولم يكن الأب يخفي مشاعره تجاه أبنائه، فكان في الوقت الذي يخص أبناء الزوجة الثانية بمودة وعطف شديدين، لا يتوانى عن وصف أبي القاسم بالمسكين الساذج، حتى إنه كثيرًا ما تمنى لو مات في بطن أمه قبل الولادة واكتفى بثلاثة أبناء ذكور. والشيء الوحيد الذي قدمه له هو أن زوجه امرأة من خارج القرية ففتيات القرية حينئذ لم يرضين به زوجًا.
وبعد موت الأب قام الأبناء بتقسيم الأراضي التي ورثوها بشكل غير عادل. فقد خص أبناء الزوجة الثانية أنفسهم بقطع الأراضي الأكثر أهمية وقربًا من القرية مستغلين طيبة وسذاجة أخيهم أبي قاسم مبقين له قطعة أرض زراعية بعيدة عن القرية.
مما أدى إلى انتعاش أحوالهم وظروف معيشتهم، بينما أخذت ظروف أسرة أبي قاسم بالسوء. ومن ثم افتعل الأخوة أسبابًا تافهة للخلاف مع أبي قاسم وقاطعوه موفرين على أنفسهم عبء أسرة فقيرة تقربهم، حتى الأخوات كن على علاقة سيئة به لأن وضعه كان يثير فيهن الحرج.
إلا إبراهيم، فقد كان على قدر من الطيبة يجعله يشفق على أخيه عادة، فلم يقاطعه واستمر بعلاقة ودية معه ومع أسرته.