فهرس الكتاب
كان إبراهيم الأخ الوحيد الذي تعلم، وأنهى تحصيله المدرسي فعين مباشرة بعد ذلك معلمًا في إحدى مدارس المدينة المجاورة، وقضى عمره في مهنة التدريس، لهذا أطلق عليه في القرية اسم المعلم.
كان أصلع الرأس يهوى القراءة كثيرًا. فحول إحدى غرف منزله الذي ورثه عن أبيه إلى مكتبة ضخمة تحوي المئات من الكتب، لكنه برغم قراءته الكثيرة، واختزان ذهنه لكم ضخم من المعلومات، فإن ذلك لم ينعكس على حياته اليومية بشكل ملموس، اللهم إلا اعتبار أهل القرية له معلمًا مثقفًا. وقد زاده هذا الشيء فخرًا سيما وأنه سرعان ما أخذ موقع أبيه في العشيرة وأصبح أحد وجهائها الحكماء.
كانت حياته في منتهى الرتابة. فكان يوميًا بعد عودته من العمل يجلس في غرفته (المكتبة) ويشرع يقرأ واضعًا نارجيلته بجانبه يسحب أنفاسًا عميقة منها بين الفينة والأخرى.
أما زوجته فقد كانت أمية تجهل القراءة والكتابة، تحب النظافة كثيرًا، سمينة، بيضاء البشرة ذات وجه دائري مكتنز وعينين واسعتين وخدين كأنهما كرتان حمراوان ألصقتا بوجهها. وكان يهمها كثيرًا أن تؤدي جميع الواجبات الدينية مصرحة دائمًا أنها تقوم بذلك عن نفسها وعن زوجها الذي لا يجد وقتًا للصلاة بسبب القراءة الملعونة.
ولم تكن طبيعة العلاقة بينهما واضحة، إذ رغم الاختلاف الكبير بين شخصيتيهما فإن حياتهما كانت هادئة، وعلى الأقل لم يسمع يومًا عن شجارات دارت بينهما، وبرغم ذلك كان برود واضح يحسه الجميع يسود علاقتهما!
وكان بيتهم برغم قدمه يبدو أكثر حداثة من بيت أبي قاسم، فكان مكونًا من أربع غرف طينية اصطف بعضها بجانب بعض. وبنيت واجهتها الأمامية من الحجر الأبيض، فمنحها قدرًا من الفخامة والوقار، وشيدت أمام الغرف شرفة واسعة غير مسقوفة، محاطة بسياج منخفض وُضعت على حافته علب الحديد الكثيرة المملوءة بالخضرة والورود، وقام البيت مع الشرفة على ارتفاع عدة درجات عن مستوى الأرض، ووضعت على جانبي الدرج أيضًا أصص الورد. فزاده هذا العلو فخامة.
وغصت الساحة أمام البيت بأشجار السرو العالية، وارتفعت بجانب المدخل الرئيسي شجرة فلفل بري ضخمة.
وكثيرًا ما توجهت أسرة أبي قاسم مساء لزيارة بيت العم إبراهيم بغية قضاء السهرات ومشاهدة التلفاز الذي لم يقتنوه بعد. لكن زيارتهم في ذلك المساء كانت لسبب آخر. فقد كان العم مستشار العائلة في الأمور المهمة ووصيًا على أموالها.