فهرس الكتاب
ارتاح جميعهم لذلك. شعروا ببصيص أمل يلوح في الأفق إشارة إلى تحسن أحوالهم وتغير قاسم فيبدأ بتحمل المسؤولية ويصبح معينًا وسندًا حقيقيًا لأخواته. وساد قليل من الصمت بعد ذلك إذ راح كل منهم يفكر فيما قيل وفيما سيكون.
ومن جديد بادرت زوجة العم بالحديث لكن بموضوع آخر يناسب تلك السهرات، خاصة بعد أن شعر جميعهم بشيء من الراحة. وما أن سمعها زوجها حتى أخذ الكتاب ليقرأ، لكن ضعف الضوء منعه فطواه وراح يستنشق الدخان من نارجليته محدقًا في نقطة أمامه.
قالت زوجته:
-كان ذلك قبل يومين. أصبت آنذاك بأرق شديد في الليل ولم أستطع النوم، فقمت قبل حلول الفجر أتوضأ استعدادًا للصلاة ودخلت تلك الغرفة -وأشارت بيدها إلى الغرفة الوسطى التي توفي فيها في الماضي حماها الجد -وكان الجو ما زال مظلمًا، فأردت إشعال النور إلا إنني رأيته جالسًا أمامي في صدر الغرفة، لقد كان الجد بعينه جالسًا مرتديًا ملابس بيضاء ووجهه مستدير كالقمر يشع منه نور بهي أنار العتمة، ويحمل بيديه قرآنًا كريمًا يقرأ فيه بصمت. وبعث الله في قلبي الطمأنينة فلم أخف منه بل اقتربت وألقيت عليه السلام، فلم يجبني وظل يقرأ. وكنت أرى شفتيه تتحركان لكني لم أسمع صوته، فجلست بجانبه ورحت بدوري أقرأ ما استذكرت من الذكر الحكيم. وما إن حلّ الفجر حتى رأيته يقف ويتجه نحو الباب. مشى خطوات ثم اختفى وتلاشى في ضوء الفجر.
أطلقت الأم وأبو قاسم بعد هذه القصة: سبحان الله! وبقي العم محدقًا إلى تلك النقطة، وكأنه في عالم آخر. أما الأخوات فقد بدا على وجوههن شيء من الشك في حقيقة ما قيل.
ثم راحت الأم تروي قصصًا أخرى مطلقة العنان لخيالها، عن أموات آخرين كانوا من الصالحين في حياتهم، وبعد مماتهم صاروا يحضرون إلى بيوتهم بثياب بيضاء، وكان زوجها أبو قاسم يقاطعها أحيانًا مصححًا بعض المعلومات والأسماء، ثم شرعوا يروون قصصًا أخرى عن الجن والعفاريت والغولة الشريرة التي تتجول في الليالي عند حدود القرية مؤكدين أن أشخاصًا قد رأوها ونجوا منها بأعجوبة بعد أن كانت على وشك التهامهم.
ورأت مريم شجر السرو في الساحة يتحرك ملوحًا بأيد كثيرة، وخيل إليها أن شجرة الفلفل البري ساحرة يتلاعب الريح بشعرها.
بسملت الأم حين خرجوا من بيت العم إبراهيم وواجههم الزقاق المظلم، مشى الأب أمام الأم وبناتها، وبقين هن في صف واحد يمشين وراءه بخطى سريعة.