فهرس الكتاب
ولسبب ما التزم الجميع خط سير يحاذي جدران البيوت المنتهية بأسيجة بنيت من حجارة كبيرة مختلفة الشكل وصُفَّ بعضها فوق بعض، فبقيت بينها فراغات وجحور يصدر منها صفير زواحف وحشرات مختبئة.
كانت نسائم أيار تهب بلطف لتستعيد من الشجر ما امتصه من رطوبتها حر النهار، وعندما تتسلل من خلال بعض النوافذ المفتوحة لداخل البيوت، تداعب هناك نار الشموع جاعلة ظل النوافذ يتراقص بحزن على أرض الشارع، متحديًا ظلامًا كالحًا تصعب رؤية أي شيء من خلاله.
وقد وضع شبك حديدي على بعض تلك النوافذ التي لاحظت مريم أنها فتحت في نقطة عالية من الجدران، وفسرت ذلك بأن أصحاب هذه البيوت قد حصنوا أنفسهم بهذه الطريقة من الغولة.
مشى جميعهم صامتين مسرعي الخطى وكأنهم في حالة تأهب لسماع صوت أو حركة تفاجئهم من الخلف، إلى أن انتهى الزقاق، واتصل بشارع أوسع كان معبدًا بطريقة سيئة يتخلله الكثير من الحفر. تنفس جميعهم الصعداء مصرحين بانتهاء حالة خوف كانت تعتريهم. فمن الممكن أن يمر أحد ما في هذا الشارع يؤنسهم. ولكنه بدوره كان شارعًا مظلمًا ساكنًا قد غط سكانه في سبات عميق.
قالت الأم:
-لعنة الله عليهم، يبقون التيار في النهار ويقطعونه في الليل! وما حاجتنا إلى الضوء في النهار؟!
فضلت الفتيات التزام الصمت وعدم التعليق. استمر الأب يتقدم الجميع بخطوات لا يستطيع السيطرة عليها نتيجة ارتجاف قدمه، وبقيت النساء يمشين وراءه بخطى سريعة مبتعدات عن وسط الشارع الذي بدا طويلًا جدًا. أوصدت أبوابها حتى الدكاكين التي تبقى مفتوحة ليلًا كي يجلس أمامها الرجال لقضاء سهراتهم يلعبون النرد. ولم يبق في الشارع سوى أعمدة الكهرباء المستسلمة للظلام والوحدة.
قطع السكون صوت طفل حديث الولادة انبعث من إحدى النوافذ، فتنفسّن الصعداء مرة أخرى. بكى الطفل قليلًا وهدأ. فغرق المكان من جديد في سكون مظلم.
أسرعوا الخطى. واجتازوا معظم الطريق.وبدأت المسافة تقصر واقتربوا من نقطة تقاطع الشارع مع زقاق آخر يليه، وبعد مسافة قصيرة كان ثمة انحناء أخير نحو اليمين يقبع بيتهم في بدايته.
لكنهم سمعوا نباح كلاب يأتي من بداية الزقاق.وقفت مريم وقالت:
ـ أنا خائفة كثيرًا!..
فطمأنتها الأم: ـ لا تخافي وامشي، فالكلاب لا تمس إلا من يؤذيها أو يستفزها.
فقالت فاطمة:
ـ وإذا كانت مسعورة؟
تذمرت الأم:
ـ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أمشين فلم يبق إلى القليل ونصل إلى البيت، والكلاب لن تمسنا!