فهرس الكتاب
ـ رحمة الله على شهدائنا. شهداؤنا في الجنة، وقتلاهم في النار.
قال المختار:
ـ لقد رأيت بأم عيني كيف قاتل آغوب، ولم يجبن عندما أحاطوا به... رأيته يقتل عددًا من الفرنسيين، ويجرح بعضهم قبل أن يُقتل... يا إلهي! كم كان بطلًا!.
ـ هو الوفاء يا أبا عدنان، رحمة الله عليه وعلى شهدائنا الآخرين، وعلينا أن نزور عائلاتهم لنواسيهم، ونوزّع عليهم بعض المؤن، وسيرافقنا أبو صادق الميكانيكي وأبو ياسين.
ـ أجل يا أبا راغب، وكل شيء جاهز، وستنطلق العربة معنا.
أولى الزيارات كانت إلى بيت أحمد الصباغ... كانت الأم تهذي باسمه كل آونة، وسعدى لم تنضب دموعها رغم مواساة والدها وحديث أبي راغب عن بطولاته، وكيف استشهد بعد أن قتل ستة فرنسيين أحاطوا به من كل جانب، أمر أبو راغب بوضع المؤونة المخصصة لآل الشهيد في منزله وقبّل الحسن والحسين قبلات دامعة ولم يستطع المكوث طويلًا، فودّعهم هو وأعضاء اللجنة على عجل ثمَّ توجهوا إلى بيت آغوب، حيث استقبلتهم (أناهيت) أرملته التي ارتدت ثوب الحداد على روحه. قدمت لهم الضيافة اللائقة، فقال علي بك:
ـ يا أخت (أناهيت) ، أنت تعلمين ما نكنّه للمرحوم من حب وتقدير، فهو والله واحد منّا، ويكفينا فخرًا أنه ضحى بروحه من أجل حريتنا، رحمه الله وأسكنه فسيح جنّاته.
قالت أناهيت:
ـ يا أبا راغب... نحن لم نهرب من الموت حتَّى في أحلك الظروف، كنّا نحبّه كثيرًا لأنَّه الخلاص من البؤس والحرمان والظلم والعدوان... ساقنا أعداؤنا إليه، فسرنا في طريقه، ونذرنا أنفسنا قرابين للحرية والعدالة، سواء أكنّا في أرضنا المغتصبة، أم في أرضكم المحتلة. نحن أصحاب رسالة مثلكم، والحمد لله على ما كتب وما قسم.
قال المختار:
ـ يا أختنا الكريمة، اقبلوا من علي بك هذه المؤونة.
وكان سائق العربة قد أنزل كيسًا من الطحين وآخر من البرغل وعلبة من الشاي، وصفيحة من الزيت.
قالت أناهيت مشيرة إلى أبي صادق:
ـ هذا الرجل الشهم لم يتركنا بحاجة أبدًا، والله إنه يعطينا فوق حاجتنا أضعافًا مضاعفة، ولا حاجة لي بها أبدًا. أرجو أن تعطوها لمن هو بحاجة ماسّة إليها.
قال علي بك:
ـ إن كنت يا أختنا لست بحاجة إليها، فوزّعيها صدقةً على روحه الطاهرة.
قال لها أبو صادق:
ـ خذيها يا أختاه، أرجوك.
هزّت أناهيت رأسها موافقة، وشكرت أعضاء اللجنة على زيارتهم لها.
قال علي بك، وهو وفي الطريق إلى عائلة الشهيد مصطفى: