فهرس الكتاب
ـ يا مختار، كان مصطفى رحمه الله أول من أطلق النار على حَكَم المباراة، ولم يُقتل إلا بعد أن قتل ضابطين كانا جالسين على المنصّة، إنه يستحق التكريم والله.
ـ أجل يا أبا راغب، ووالله كان مقاتلًا شرسًا.
قال أبو ياسين:
ـ كنتُ والله أنوي تزويجه حماتي /شاكي/ فقد أُعجب بها رحمه الله، وأعجبت به أيضًا، وكان فقيرًا لم يقوَ على الزواج، وقد تجاوز سنة الخامسة والأربعين، لكنّ المقادير كانت تترصّده.
ابتسم علي بك قائلًا:
ـ لو كنتُ أدري بحبّه لشاكي لما ترددت لحظة واحدة في تزويجها له، ولدفعت المهر وكل مستلزمات الزواج.
طرق المختار باب أهل مصطفى، ففتح بعد حين، وتمخّض عن عجوز تتوكأ على عصا. كانت تنظر إلى القادمين إليها بعينين غائرتين دامعتين، وفمها الأدرد يطلق عبارات الترحيب.
دخل علي بك البيت مع أعضاء اللجنة، وجلسوا في فناء بيتٍ يشكو من قلّة الجرذان فيه... هزّ علي بك رأسه وقال متنهّدًا:
ـ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم... لِمَ لم تخبرني يا مختار عن أحوال هؤلاء الفقراء؟ سامحك الله.
ـ يا سيّدي... أقسم لك بالله العظيم أنني كلّما عرضت على مصطفى مساعدة مادية أو غيرها كان يردّ عليَّ بغضب: الحمد لله على نعَمه، لا ينقصنا أي شيء سوى حرية الشعب.
ـ يا أبا عدنان، أنت مختار، وهي مسؤوليتك. كان عليك أن تزوره في البيت لتستكشف أحواله. أنظر جيدًا، لا شيء في بيته البتة. كيف يكون هذا؟
قطعت العجوز على علي بك حديثه عندما جاءت إلى ضيوفها، وقدّمت لكل واحدٍ منهم كأسًا من الأعشاب الطبية قائلة:
ـ إنها خلطة جمعتها بنفسي من بساتين الرويلي جزاهم الله خيرًا. إنها أفضل من الشاي والقهوة. اشربوها هنيئًا مريئًا.
كان علي بك على ثقة من أن ليس في بيتها سكّرٌ أو شاي أو قهوة، لكن أبت نفسها الشكوى إلا لله. قال بعد لأي:
ـ يا أماه... أنت أم الشهيد ونحن كلّنا أبناؤك، اطلبي وتمنّي علينا، والله سنلبي مطالبك مهما ثقلت علينا.
ابتسمت العجوز وقالت:
ـ يا ولدي... لقد رحل زوجي إلى دار الآخرة، وترك لي ولدين. واحدًا مات بالسل، ومصطفى استشهد في سبيل الله، وأنا أنتظر لقاء ربي. لا أريد من الدنيا شيئًا.
ـ يا أماه... أرجو أن تقبلي منّا هذه المساعدة.
وأشار إلى العامل أن يُدخلها إلى بيتها (الطحين والبرغل والسكر والشاي والزيت) .
يا أماه، سأزورك إن شاء الله من حين لآخر لأرى احتياجاتك، وإن لم يسعفني الوقت، فسيزورك المختار، ويقوم بالواجب.