فهرس الكتاب
ـ شكرًا يا ولدي، والله لا أريد شيئًا إلا رحمة ربك.
جفف علي بك دموعه التي هطلت رغمًا عنه، وقال لأبي عدنان:
ـ يا أبا عدنان... أرجوك أن تدوّن لي قائمة بأسماء الفقراء والمحتاجين.
ابتسم المختار، وقال:
ـ يا أبا راغب، عمّن أدلّك وأسجّل لك؟ الشعب معظمه فقير، وزاده الاحتلال والقحط واليباس والفيضان فقرًا ومعيشة ضنكًا.
هزَّ علي بك رأسه وقال لنذهب إلى عائلة الشهيد طارق.
كان طارق رحمه الله من المناضلين الصلبين الذين نذروا أرواحهم لخدمة الوطن، وكما كان متفّوقًا في دراسته، كان متفوّقًا في عمله التجاري والزراعي، لكنه لم ينسَ ثأر أبيه من الفرنسيين، وكانت زوجته الأرمنية (لوسين) وابنه زياد يمثّلان أمامه قضيّة. عند استشهاد والده وقف عمّه مصلح إلى جانبه أبًا وأخًا وصديقًا، وكانت لوسين التي كان يسميها (القمر) قمرًا مضيئًا ليس في حياة طارق وحده وإنما في حياة العائلة بأكملها، لتفانيها في حبّ زوجها وولده وأعمامه وأُسرهم، إضافة إلى أنها كانت تدير تجارته وزراعته بذكاء ومهارة نادرتين، وتنثر الخير عليهم جميعًا بطريقة لبقة لم تتعوّدها الأسرة من قبل.
كان طارق من القناصة المهرة، استطاع أن يقنص أكثر من عشرة جنود فرنسيين وسنغاليين قبل أن يستشهد.
استقبل مصلح أبا راغب وأعضاء اللجنة بترحاب كبير، وما هي إلا دقائق حتَّى دخلت لوسين وولدها زياد. احتضن علي بك زيادًا وقبّله، وبلّل وجنتيه بدموعه، وكذلك فعل أعضاء اللجنة. قال علي بك:
ـ زياد يا ولدي، ولتسمع أمك وعمك ما أقوله: طارق حيّ في قلوبنا كما هو حال والده الشهيد، لترفعوا رؤوسكم عاليًا لأنَّ شهيدين عظيمين مثل طارق وأبيه يمثّلان رمزين لا يمكن تجاهلهما على مرّ السنين... هذه رؤوسنا نحنيها لله أولًا ولهما ثانيًا لأنهما غرسا فينا حب الشهادة وضرورة تحرير الوطن مهما غلت التضحيات، فهنيئًا لكم هبة الشهادة التي يهبها الله لمن اصطفى من عباده.
قال مصلح:
ـ يا علي بك، وليسمع أعضاء اللجنة الكرام بأنني منذ هذه اللحظة جندي مقاتل في سبيل الله والوطن. أريد أن ألحق بكل فخر بأخي وابن أخي فلا تحرموني نعمة الشهادة.
قالت لوسين بعد أن كفكفت دموعها:
ـ أنا والله لن أبخل بحياتي لألحق بزوجي وعمي، وأرجو أن تقبلوني مع النسوة اللاتي يشاركن في المقاومة الشعبية.
قال زياد:
ـ وأنا يا أمّاه... أنا لست صغيرًا، انظري...
وأخذ يمط بجسمه الصغير ليتطاول...