فهرس الكتاب
ضحك علي بك، وأعضاء اللجنة من رؤية زياد وهو يحاول أن يمطّ جسده الصغير أكثر فأكثر، وقال:
ـ كلّنا للوطن يا أبنائي، كلّنا إلى الجهاد إن شاء الله.
قالت لوسين وقد أخرجت من جيبها وريقة:
ـ علي بك... هذه وصية زوجي، كتبها قبل استشهاده، وأوصاني أن أسلّمها لك عند استشهاده فأرجو أن تتسلّمها.
كانت الوريقة تحتوي على عشرة أسماء لطلاب من المكتب السلطاني يودّون الاستشهاد في سبيل الله، وهم على استعداد لتفجير أنفسهم في تجمّعات الفرنسيين. قرأها علي بك بتمعّن، وطواها، ودسّها في جيبه.
في الطريق إلى المضافة، أصرّ المختار وأبو ياسين وأبو صادق الميكانيكي على معرفة وصية الشهيد طارق، فأطلعهم علي بك على مضمونها.
قال أبو ياسين:
ـ هل تعتقد يا علي بك أن أمةً بها مثل هؤلاء الشبّان يمكن أن تقهر؟
ـ لا والله... أبدًا. ولكنني لن أضحي بواحدٍ منهم.
إنهم أوائل الطلبة، وعليهم المعوّل في مستقبل اللواء. ليتابعوا تعليمهم فهو الجهاد الأكبر.
تتالت الضربات على باب بيت أبي ياسين، وصوت المختار يعلو مع كلّ طرقةٍ مناديًا أبا ياسين، ولمّا لم يُفتَح الباب، حوقل المختار وبسمل طويلًا، وساءل نفسه وهو يهبط الدرجات الخمس: (تُرى أين ذهب أبو ياسين؟ ثمَّ أين زوجته وأمها؟! لابدَّ أن أمرًا طارئًا قد حدث... يا رب اجعلها خفيفة عليهم) .
ووقف أمام درجات البيت، وأخذ يقدح زناد الفكر... يفكّر ويخمّن، وكل أونةٍ يعلو صوته: لا سمح الله... لا قدّر الله... اللهم احفظهم من كل مكروه. وعندما همّ بالذهاب فوجئ بأبي ياسين يقف قبالته:
ـ أين كنتَ يا رجل؟! لقد شغلتني والله... ثمَّ أين زوجتك وأمها؟ أين؟
ـ تعال يا أبا عدنان لندخل البيت أوّلًا، ومن ثمَّ سأروي لك أين كنّا، وأين زوجتي وأمها... ادخل يا أبا عدنان، وستشرب معي كوبًا من الشاي الأحمر اللذيذ... هيّا.
كان بيت أبي ياسين مرتّبًا نظيفًا منذ أن تزوّج أم ياسين، وكانت أشلاء أسلحته مرتّبة لامعة على طاولتها...
بسرعة أشعل طبّاخًا ميدانيًا، ووضع إبريق الشاي عليه، وجاء بكوبين نظيفين وعلبة السكر ومصفاة الشاي، ووضعها أمام أبي عدنان...
كان أبو ياسين يدندن وهو يسير بأغنية أرمنية أذهلت المختار:
ـ ماذا أسمع؟
ـ أغنية أرمنية تعلّمتها من زوجتي، كلماتها تقول:
"إيه يا وطني المجيد!"
يا من كان يأتيه شذّاذ الآفاق من المضائق والفلوات ليغرسوا الرماح في قلبه...