فهرس الكتاب

الصفحة 832 من 1574

واستطاع قاسم أن يسيطر على الأب الثائر فطرحه أرضًا وجثم فوقه، في حين أسرعت عائشة بجلب حبل استعملوه من قبل لهذه الغاية وربطت قدميه بعناء، فقد كان الأب يقاوم بشدة، ثم ربط قاسم يديه، وحملوه ووضعوه في الفراش، وخرجوا متغاضين عن الشتائم التي كان يطلقها وراءهم:

ـ كلكم جميعًا ظالمون، ستحل اللعنة عليكم. إنكم أبناء تلك العاقة وكلكم تقفون إلى جانبها. سيسمعني الله ويلعنكم.

جلست الأم في الغرفة الأخرى وقد تمزق ثوبها تبكي وتسحب كتل شعر من رأسها انخلعت نتيجة الشد وتقول:

ـ لم يبق شيء في رأسي. لقد كان ينوي قتلي، إنه ليس بالعاقل ولن أستطيع العيش معه بعد الآن. إذا لم يقتلني اليوم فغدًا سيفعل، وأنتم تصدقون إنه مريض وعاجز. إن به قوة ثور.

فيما بقي الأب يصمت قليلًا ثم يعود للشتائم والتهديد، فقرر قاسم الخروج من البيت.

وبعد أن هدأت الأخوات من روع الأم راحت عائشة تؤنبها:

ـ ومع ذلك أنت المذنبة، لابد أنك قمت باستفزازه.

فثارت الأم:

ـ اسمعي يا عائشة. لا تضعي الحق علي فأنت تعرفين أباك جيدًا وتدركين إن به مسًا من الجنون.

ـ بل أعرف أنه زوجك قبل أن يكون أبي، وقد عشت معه عمرًا أطول من عمري، وحان الوقت منذ زمن بعيد لأن تعرفيه وتتجنبيه فهو رغم ارتجاف يده وقدمه تسقط عليه القوة حين يثور، فلا تناقشيه ولا تبقي نفسك أمامه.

لم تجبها الأم واستمرت بالبكاء، وهي تتحسس جنبها وأطرافها وتمعن النظر في كتل الشعر المتساقط من رأسها.

مضت ساعتان. ساد شيء من الهدوء يشوبه بكاء الأم ونحيبها المتقطع.

أما الأب فقد تحولت نبرته إلى النقيض بالتدريج.

راح يبكي ويئن ويطالب برجاء ذليل أن يطلقوا سراحه. ثم يهدأ بكاؤه ورجاؤه وقتًا قصيرًا، إلا أن أنينه يبقى مستمرًا.

باشرت عائشة بعمل كان يجب على الأم أن تقوم به، فملأت وعاء صغيرًا بالكيروسين، وأخذت مشطًا عظميًا مسننًا من الجهتين ولفت على أسنانه شريط قماش أبيض ثم جلست واستلقت مريم بجانبها واضعة رأسها على ركبتها، وراحت عائشة تغط المشط في الكيروسين ثم تقوم بتمشيط شعر مريم المجعد بشيء من العصبية قاصدة قتل مابه من قمل. كانت هذه العملية مؤلمة لمريم إذ كان المشط يخدش قشرة رأسها حين تركزه عائشة ثم تسحبه حتى نهاية الشعر. إلا أن مريم استلقت صامتة ولم تتأوه، كان يؤلمها أكثر نحيب أبيها وهو يرجو بذل أن يطلقوا سراحه، ثم يأخذ بأنين طويل يخترق روحها محدثًا فيها خدوشًا عميقة تؤلمها وإلى زمن طويل قادم..!..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت