فهرس الكتاب
ـ الحق عليك، فقد اتسخت جميعها ولم تغسليها. ثم إنني لست الوحيد الذي يبصق في هذه الغرفة. فابنك قاسم يفعل ذلك أيضًا؟
ـ دع قاسم وشأنه، ولا تضع الحق عليه. فعادة البصاق هذه عندك قبل عودته من السفر.
نظر الأب إليها بعينين مستشرتين، وقال:
ـ اسمعي يا امرأة، لقد تعبت من تعاملك هذا معي، امسحي الأرض وأنت صامتة.
فقالت الأم ساخرة:
ـ وأي تعامل تريد؟
ـ هل نسيت أنني زوجك ويجب عليك أن تخدميني كما تخدم النساء أزواجهن؟
قالت الأم متنهدة:
ـ لو كنت رجلًا كباقي الرجال لما اعترضت. لكنك كالهم على القلب.
وكان ردها الأخير هو الشعرة التي قصمت ظهر البعير، فقال الأب بصوت عال وهو يقوم من الفراش:
ـ ومن أنا برأيك إذا لم أكن رجلًا؟
رمت الأم الخرقة من يدها وأسرعت نحو باب الغرفة، ثم توقفت ورفعت يديها إلى السماء متضرعة:
ـ يا إلهي. إذا كنت قد قدرت لي هذا المصير فامنحني الصبر على تحمله، فليس لي من وجهة…
وقبل أن تكمل دعاءها، كان الأب قد فاجأها من الخلف شادًا إياها إلى الداخل حتى أوقعها على الأرض، وهو يقول:
ـ هيا اطلبي من الله أن يأخذني. وسأجعله يسمعك الآن، لكنه سيأخذك أنت وليس أنا.
وانهال عليها بالضرب راكلًا جسمها بقدميه شادًا شعرها الذي تعرى، انطلق صراخها العالي وهي تقاومه وترجوه أن يكف ويأتي أحد لنجدتها، في حين استمر الأب يزمجر ويضرب ويتطاير من فمه الزبد ليتساقط على وجهها.
أيقظ الصراخ عائشة فقفزت من فراشها راكضة متوترة وهي تقول:
ـ يالتعاسة هذا الصباح! هاهما يتعاركان من جديد. ألم يستطيعا أن يؤجلا ذلك قليلًا كي لا يعكرا النهار منذ بدايته.
وهرع الجميع.
كان الأب وكأن جسمه اكتسب قوة فجائية قادرة أن تتصدى لمائة شخص، فبدا مثل فحل ثائر.
راحت عائشة تحاول فك شعر أمها من قبضة يده كائلة اللعنة لهما الاثنين.أما قاسم فحاول أن يمسك الأب من الخلف كي يسيطر على يديه الاثنتين. وتدخلت شماء وفاطمة ومريم كل منهن تحاول صد الضربات عن الأم، وطال كل واحدة نصيبها من اللكمات، وقد تحول غضب الأب ليشمل جميعهن فراح يضرب كل من أمامه وكل من يحاول إيقافه لاعنًا إياهم جميعًا.
أفلتت الأم أخيرًا من يديه فسحبتها شماء وفاطمة إلى الغرفة الأخرى وهي تبكي وتدعو الله أن يميته.