فهرس الكتاب

الصفحة 830 من 1574

واستطاعت عائشة أن تخرجه من الغرفة. كانت الأم قد حررت يدها منه وأغلقت الباب فورًا مبقية إياه وعائشة في الخارج. وقادته عائشة إلى فراشه وهو يتذمر تارة من هجرة الأم له ويتوعد ويهدد تارة أخرى.

عادت الأم إلى فراشها بجانب مريم التي تظاهرت بالنوم، وبقيت تتمتم بصوت منخفض إلى أن نامت.

في الصباح لم يعجل أحد بالنهوض فقد كان يوم جمعة.

وبقي كل في فراشه، مغطيًا رأسه كي لا يقلقه طنين الذباب. الذي باشر نشاطه مع شروق الشمس، فراح يحوم حول الوجوه النائمة محدثًا طنينًا عاليًا لا يكف عنه إلا بالهبوط والتوقف على تلك الوجوه.

لم تستطع الأم الاستمرار بالنوم فقامت لاعنة الذباب والحر. وتوجهت فورًا إلى خم الدجاج، فأزاحت الحجارة عن بابه لينطلق الدجاج متراكضًا في الساحة. ثم جلبت بعض الحبوب ونثرتها على الأرض، وسكبت قليلًا من الماء في وعاء حديدي قديم، فتجمع الدجاج حولها وراح يشرب. ثم مسحت الساحة بنظرة باحثة عن قطط فيها، ومن جديد تناولت حجرًا ورمت به قطًا كان يمشي بمحاذاة السياج مبعدًا مابين أقدامه الخلفية والأمامية ماطًا بطنه، فقفز في الهواء حين فاجأه الحجر ثم سقط متكورًا وقام متعثرًا بنفسه وركض مبتعدًا.

ثم توجهت الأم إلى المرحاض ورفعت ثوبها قبل أن تصله ومشت خطوتين لكنها أنزلته فجأة ونظرت بحركة سريعة وراءها وحولها.

وبعد أن قضت الأم حاجتها توجهت إلى غرفة الأب، أشعلت بابور الكاز ووضعت عليه إبريق الشاي، تناولت صينية ألومنيوم قديمة معوجة الأطراف وسكبت فيها من كيس تناولته من خزانة المؤونة بعض العدس وخرجت إلى الساحة وجلست مواجهة للشمس تنقي العدس وتراقب الدجاج. وبعد فترة قصيرة عادت إلى الغرفة، وكان الأب قد استيقظ وبقي في فراشه، توجّهت إلى بابور الكاز وكان الماء يغلي في الإبريق فصنعت شايًا، لكن كثرة الذباب في الغرفة جعلتها تؤجل شربه. سكبت قليلًا من الكيروسين في دلو، وبلت فيه خرقة قماش قديمة ثم راحت تمسح الأرض، فقرر قاسم الذي ينام عادة في غرفة أبيه، أن ينهض من فراشه، لأنه إن قاوم وقاحة الذباب، فلن يستطيع أن يقاوم رائحة الكيروسين النفاذة. وخرج.

استمرت الأم تمسح الأرض، وهي تقول للأب:

ـ لقد قدمت لك الكثير من قطع القماش لتبصق فيها. فلماذا تبصق على الأرض؟ ألا ترى إن الذباب سيهججنا من البيت؟

فأجابها الأب ببرود:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت