فهرس الكتاب

الصفحة 834 من 1574

ـ تتفقون على بيع الأرض، وتبيعونها، وتستلمون ثمنها، وليس لي في الطابق كله من مكان سوى البصم!

فتساءلت عائشة باستطراف:

ـ وما الذي تريده؟

ـ إنها أرضي ويجب أن أستلم ثمنها بنفسي!

ابتسم قاسم ابتسامة عريضة لم تشِ بمدى استطرافه للأمر وحسب، بل وتشي بفيض من سعادة خفية تغمره:

ـ وماذا ستفعل بالنقود؟

ـ سأنفقها على الأسرة وعلى نفسي!

ولم يتطلب الأمر وقتًا كبيرًا من عائشة وقاسم كي يقنعا أباهما بالعدول عن ذلك لأن هدف البيع ليس إنفاق النقود من أجل المعيشة وإنما من أجل عمل قاسم. اضطر الأب للموافقة على مضض. لكنه اشترط:

ـ إذًا اشتروا لي على الأقل من ثمنها كيلوين من اللحم!

وما إن أنهى جملته حتى راح قاسم وعائشة يقهقهان. بيد أن عائشة سرعان ماسيطرت على ضحكها ووعدته قائلة:

ـ هذه ليست بالمشكلة. سنطبخ اليوم منسفًا.

فرد الأب:

ـ لا، ستأكلون أنتم اللحم وتبقون لي الرز. اطبخيه لي وحدي!…

طمأنته عائشة وهي تضحك بأنه سينال القدر الأكبر من اللحم، فراح الأب يبلع ريقه، وهو يؤكد على حقه في اللحم كله!..

جهز قاسم نفسه وهو يمازح الأسرة وانطلق مع أبيه.

بقيت الأم وعائشة في البيت بانتظارهما. لكن فرح قاسم سرعان ما تلاشى حين فوجئ بوجود العم إبراهيم في دائرة الأراضي ينتظرهما. ألقى عليه السلام وتبادلا أطراف الحديث والشك يراوده بسبب وجود العم. وبعد أن تمت عملية البيع صعق قاسم حين رأى عمه يستلم ثمن الأرض. لكن الخجل منعه من أن يطالب عمه بالنقود، كون الأخير ذا هيبة كبيرة.

ولم يقو على إخفاء غضبه فخرج غير آبه لعمه الذي حاول تهدئته وشرح الأمر له. وعاد إلى البيت وهو لا يقوى على احتمال الطريق التي لا تنتهي، كان يلهث، وكان الهواء الذي يخرج من رئتيه ساخنًا، وكان الغضب في داخله يزداد ويحتقن بشكل لا يطاق، فإذا لم ينفثه فورًا، انفجر في داخله كقنبلة موقوتة.

حين لاحظت عائشة ثورته هربت إلى الغرفة الأخرى مغلقة الباب وراءها بعصا خشبية، وأسندت ظهرها إليه بقوة كي تحكم من إغلاقه، فلا يستطيع قاسم فتحه وكانت تسمع دقات قلبها بقوة.

لكنه لم يلحق بها وبقي يوجه الكلام والأسئلة بصوت عال ومنفعل لأمه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت