فهرس الكتاب

الصفحة 838 من 1574

كان زوج عائشة يعمل موظفًا في شركة نقل بري للبضائع، وكان طيب بالقلب على قدر من السذاجة، وعلى قابلية عالية للتأثر بآراء الآخرين، تحركه في الحياة انفعالات حادة وآنية، فكان وبلحظة انفعال مستعدًا لأن يتخذ قرارًا مهمًا في حياته دون أن يتمحصه أو يفكر فيه، ثم يعود للعدول عنه في اللحظة التالية إذا سمع رأيًا مخالفًا، وقد سبب ذلك الكثير من المشاكل بينه وبين عائشة في بداية حياتهما. فقد طردها مرة من البيت وضربها وهددها بالطلاق بعد مضي عدة أشهر على زواجهما، لأنها لم تقل البندورة بالطريقة التي تعجبه! وجاء في اليوم التالي متوسلًا إليها أن تعود.

وحدث ذلك مرة أخرى بعد أن وضعت طفلتها الأولى بشهر لأن أخته قد أنجبت ولدًا، فقرر أنها لن تقدر هي إلا على إنجاب البنات كأمها، لكنه في تلك المرة لم يحضر لاسترجاعها إلا بعد مضي شهر. أدركت عائشة في تلك المدة التي قضتها مضطرة في بيت أهلها من جديد أن لا خيار أمامها سوى العودة لبيت زوجها، فكانت تمضي أيامها بانتظاره، فعليها وحدها ـ وفقط وحدها مادام ليس لها من أب ولا أخ تعتمد عليه ـ أن ترتب حياتها التي لا بديل عنها بطريقة تمسك بها زمام الأمور، وتكون هي المحرك لزوجها البسيط، وبالفعل فقد استطاعت عائشة فيما بعد بحكمتها أن تتعايش معه، بل وأصبحت الموجه له في حياته وعمله، تغض النظر عن انفعالاته وتبدي الكثير من الصبر في تحمل سلوكه ومزاجه.

في أثناء ذلك كان قاسم قد حصل على الكثير من عروض العمل، وبنى مجموعة من البيوت في القرية، إلا أن هذا لم يؤثر بشكل ملحوظ على وضع أهله، فمنذ البداية اختار لنفسه عمالًا من الجالية المصرية، إذ كان يسعده كثيرًا أن ينادوه (يابيه، يا معلم) ، ويكبر بعيونهم أكثر فيزيدون من تبجيله حين يسخى عليهم بالأجر.

وكان في العادة يختفي من البيت حين يتقاضى أجر البناء، فلا يعود إليه إلا بعد أن تكون المشاكل قد اشتعلت بين الأم وزوجته التي تندب حظها الذي قادها إلى هذه الأسرة البائسة بعكس حظ ابنتهم عائشة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت