فهرس الكتاب

الصفحة 839 من 1574

وحينما يعود قاسم في الصباح سرعان ما تهدأ زوجته وترضى، وتفوح في ذلك اليوم والأيام التالية من مطبخه، روائح اللحوم والدجاج فتستفز معدة وأعصاب الأب ليروح بدوره يبحث عن مبرر أو شخص يفرغ به شحناته العصبية الزائدة، وتفرح لذلك زوجة قاسم، حيث تسنح لها الفرصة لمراقبة عراك في الغرفتين الطينيتين ليكون موضوع حديث مشوق وطريف مع الجارات ترويه لهن من وراء السياج المنخفض، ويسمع حينذاك صوت ضحكهن العالي وهي تصف الحدث.

وتمر عدة أيام والأم تنتظر ابنها كي يقدم لها ما تجود به نفسه من النقود. ويأتي قاسم يشكو لأمه صعوبة الحياة التي علقت على رقبته أسرتهم وأسرته التي أصبح عدد أفرادها أربعة بعد إنجاب زوجته لطفليه وما من أب أو أخ يساعده على إعانتها.

وترضى الأم بالقليل وتدعو له بالتوفيق. ويكون القليل ذاك سبب مشاكل أخرى مع زوجته التي تعتبر أن الأم والأخوات هن العقبة في طريق تطور وتحسن أوضاع زوجها. وقد جن جنونها في أحد الأيام حين سمعت بخبر شراء أخيها لقطعة أرض ونيته بناء بيت مستقل عن أهله.

ومنعت زوجها من أن يعطي أمه أي قرش ثم انطلقت إلى بيت أهلها مع طفليها. وكانت عائشة قد أنجبت طفلها الثاني وكان ذكرًا، فرحت أمها به واعتبرته مسمارًا ثبت قدم عائشة في بيت زوجها، لكنهم استقبلوها في ذلك اليوم مع طفليها بعد أن ضربها زوجها وطردها انتقامًا لأخته التي تعيش حياة ذليلة، وتحملت عائشة أسبوعًا جديدًا من الحياة في بيت أهلها وهي تنتظر زوجها إلى أن قام بإرجاعها.

ومر عامان باهتان من حياة تلك العائلة، لا فرح نقي ولا حزن عميق..‍

ـ 11 ـ

في الصيف أنهت شماء المدرسة، وفي اليوم الذي أعلنت فيه النتائج انتشر خبر حصولها على أعلى معدل في المنطقة، وكانت بذلك أول فرد في الأسرة ينهي تحصيله المدرسي.

حضرت عائشة مع طفليها وقبل أن تدخل وقفت بباب الباحة الخارجي وراحت تزغرد، ثم دخلت وقالت بانفعال شديد:

ـ لم أصدق الخبر حين سمعته، ودِدْتُ لو أركض لكني كنت أشعر بقدمي مثبتتين في مكانهما، وكدت أتعثر بثوبي عدة مرات وأقع.

أجابتها شماء:

ـ ولماذا، ألست أهلًا لهذا المعدل !..

فقبلتها عائشة وهي تبكي وقالت:

ـ إنك عظيمة، هذا ما أردته منك فلم تخيبي أملي!

ثم توجهت إلى الأم:

ـ هاهي ابنتك قد رفعت رأسك، فلم يحصل أحد في المنطقة على المعدل الذي حصلت عليه.

فردت الأم:

ـ الحمد لله، ليوفقها الله وليبعث لها الشاب الجدير بها.

فقاطعتها عائشة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت