فهرس الكتاب
-لقد وافقت على سفرها وأردت بذلك أن أكون أخًا بارًا أتحمل من أجلها ما سيقوله الناس عني، وتركت في الأمس عملي وسافرت معها إلى العاصمة، واليوم تردن بيع الأرض كي تسافر، ولماذا دونمان؟! بيعي الأرض كلها من أجلها! أجل، بيعي الأرض كلها، فأنت لم تلدي غير البنات ولا تفكرين إلا بهن، ألا تذكرين حين بيعت الأرض من أجل عملي؟ ماذا فعلتن حينها؟ أبقيتن ثمنها مع العم إبراهيم خوفًا من أن أستلمه لأنني لست رجلًا بنظركن، بل أنا حمار تركبن على ظهره، لكنني الآن لن أسمح بذلك، وإذا تجرأتن على بيع متر واحد من الأرض فسأريكن أي رجل أنا، لقد صبرت على الكثير وأردت أن أكون الأخ المتسامح، لكنكن على مايبدو تردن أكل حقي في مال أبي قبل أن يموت، الآن شماء وغدًا فاطمة وبعدها مريم، وابق أنت يا قاسم اعمل واعمل، ومت من العمل كي يتعلمن ويسافرن، أهذا ما تردنه؟ ولكن لا وألف لا، ولا تطلبين مني الرحمة بعد ذلك ولتذهب هي ودراستها إلى الجحيم لأنها لا تهمني سواء متعلمة أم جاهلة.
وأراد أن يخرج ليضع بذلك نقطة ضخمة في نهاية الموضوع تكون كصخرة صلبة يصعب على أي أحد أن يزحزها!
لكن الأم التي لم تستطع أن تقاطعه أو تهدئ من روعه في أثناء ثورته أمسكت بيده وقد شعرت بأن الوحي نزل عليها فجأة وأراها المدخل الذي يمكن لها من خلاله أن تلامس نفس ابنها. لقد كانت الأم في أعماق نفسها تفهم ابنها، لكنها تعامله وتتعامل معه عادة كما تريد له أن يكون لا كما هو في الواقع، أما الآن فيجب أن تحسم الأمر ولصالح شماء انطلاقًا من هذا الفهم، فمنعته من الخروج قائلة:
-أرجوك يا قاسم لا تخرج واهدأ فأنا لم أكمل كلامي بعد.
-وماذا بعد، أي مصيبة أخرى ستزفينها إلي؟
-استعذ بالله من الشيطان الرجيم واهدأ، وكفانا الله شر المصائب، اجلس واسمع كلامي.
-أستطيع أن أسمع وأنا واقف فليس لدي وقت للجلوس.
-أريدك أن تجلس أولًا، وثق أنك لن تندم على ذلك.
أثار كلامها فضوله فجلس، وقالت:
-في الهدوء يا بني تحل أعقد العقد، فلماذا تثور بسرعة، إنك بذلك ترهق أعصابك.
فقاطعها قاسم وقد بدا عليه الاستفزاز من جديد:
-هل أجلستني لتلقي علي محاضرة في الهدوء؟ إذا كان لديك شيء فقوليه دون مقدمات وإلا قمت.
-حسنًا، حسنًا، لقد شرحت لك أن المبلغ مسترد، فبعد مضي شهر أو شهرين، كما قالت شماء، ستقرر المنحة وستعيد لها الحكومة ما دفعت، وأعدك حينها بأن هذا المبلغ سيكون لك، وستكون حر التصرف به.