فهرس الكتاب
فوجئت شماء بهذا الموقف الجريء لعائشة، وكانت قد استعرضت من قبل كل الحلول الممكنة للخروج من المأزق، لكنها لم تتجرأ حتى على التفكير في هذا الأمر، يا لقوة وعظمة عائشة، كم أنها تحبها، وفكرت بداخلها أن عائشة هي الشيء الوحيد الصحيح في حياتهم وكل ما تبقى خطأ، وكأن كل العوامل المناقضة لمفهوم الحياة الطبيعية والإنسانية قد تجمعت وتوحدت لرسم خطوط حياتهم، وليصبح وجود عائشة بينهم وكأنه حتمية الطبيعة نفسها لتعدل من مسار هذه الخطوط.
وهكذا كان موقف عائشة مفتاحًا للحل، لكنه لم يكن الحل نفسه، فقد بقيت مسألة إقناع قاسم بذلك، وكان الكل يدرك بأنها ليست بالأمر السهل.
في اليوم التالي دعت الأم قاسمًا إلى غرفتها وجلست معه وحيدة في حين بقيت الفتيات ينتظرن بقلق في غرفة المطبخ حيث ينام الأب.
حدثته الأم في البداية عن شماء ودراستها وتسلسلت في الحديث إلى أن وصلت إلى موضوع مائة الدينار، فقال قاسم باستغراب:
-وما المطلوب، هل تعتقدين أنني أملك مبلغًا كهذا؟
-أعرف يا بني أنك لا تملك هذا المبلغ، وقد فكرت أنا والفتيات بشخص ما نستدين منه ولكننا أيضًا لم نجد أحدًا.
-وأنا كذلك لا أعرف أحدًا يستطيع أن يقرضنا مالًا.
-أعرف ذلك أيضًا.
-وماذا تريدين إذن؟
تنهدت الأم بعمق كي تحد من الاضطراب الذي بات يسري في جسدها، وكي تحافظ على توازن كلامها قبل أن تباشر به، قالت:
-رأينا أن ثمن دونمين من الأرض سيحل المشكلة وستحصل أختك على منحتها وتتعلم وتحصل على شهادة تؤهلها للوظيفة فتصبح في المستقبل عونًا لنا أنا وأخوتك ووالدك، ويخف الحمل عن كاهلك.
وكأن الأم قد فتحت نافذة تعوي وراءها الرياح فطيرت عقل قاسم وجن جنونه ووقف، فقد كان الجلوس يحد من حركته وتوتره، ودلق أثناء ذلك كأس شاي كان أمامه على الحصيرة وراح يصرخ بالكلام بصوت عال: