فهرس الكتاب
انتفضت الأم في مكانها حين سمعت ذلك، فقد تعودت أن تسمع الرأي الحكيم من عائشة في مآزق كثيرة كهذه، إلا أنها في هذه المرة خيبت أملها، بل إن ماقالته ضرب من التخريف، فعندما كانوا يبيعون الأرض في السابق، إنما كانوا يفعلون ذلك من أجل قاسم الذكر الوحيد في الأسرة، وبالرغم من أنه مقصر في حقهم ولديهم الكثير من الملاحظات عليه وعلى سلوكه، فإنه في النهاية يبقى شابًا يحيي اسم أبيه وبيته، ويعشن هن في ظله، أما أن تباع الأرض من أجل فتاة وإن كانت أيضًا ابنتها فهي في النهاية فتاة وإن تعلمت لابد لها في يوم من الأيام أن تنتقل إلى بيت زوجها لتكون ملكه، وقالت:
ـ في هذه المرة لست محقة يا عائشة، فقاسم رجل وهاهو فاتح بيت أبيه، وأنت بالذات لست بحاجة إلى أن اشرح لك الأمور.
فقاطعتها عائشة:
ـ بل أنا محقة. فلو كنت تعلمت وحصلت على وظيفة لما كنت أسرب لك النقود الآن بالسر، ولكنت حرة التصرف بما أجني، ولما استطاع زوجي أن يمنعني من ذلك.
وكان كلامها أقوى من أن ترد عليه الأم، فاستطردت:
ـ وستدركين أنني محقة عندما تتخرج وتحصل على وظيفة، لأنها حينها لن تنتظر أن ينسى زوجها بجيبه القليل من النقود لتخفيها ثم تسلمك إياها، بل إنها وعلى مرأى من الناس ستكون عونًا لك ولأخواتها، ولن تضطري عندئذٍ أن تنتظري قاسمًا
ليعطف عليك ويذلك بقرش بعد أن يكون بطنه قد انفرى من أكل اللحم، ثم والأهم من ذلك فكري فيها نفسها، أم أنك تريدين لها مصيرًا كمصيري، أعيش تحت رحمة رجل ساذج يثور لأتفه الأسباب ويطردني لأعيش أيامًا أنا وأطفالي جائعة بانتظار تحسن مزاجه، ثقي بأنها إذا تعلمت وحصلت على شهادة فإنها ستكون حرة، لأنها ستعمل وقرشها سيكون بيدها، وتتصرف به بحرية.
ولم تقوَ كل مفاهيم الأم وقيمها أن تتماسك أمام المنطق القوي الذي تتحدث به عائشة، فانهارت، واقتنعت الأم بسرعة، بل إنها فرحت حين اكتشفت أن شماء ستحصل على وظيفة بعد عدة سنين وستكون معيلًا ومحررًا لعائلتها، وثار الحماس فيها، فقررت أن تحدث قاسمًا لحسم الأمور بسرعة.