فهرس الكتاب

الصفحة 849 من 1574

ولحسن حظهم كان زوج عائشة مسافرًا، كذلك فقد بدأ عمله في النقل يتطلب منه السفر بين الوقت والآخر. أما عائشة فقد كانت مشغولة ببناء البيت على قطعة الأرض التي اشترتها بعد أن وفرت مبلغًا من المال.

لم تخرج الأم أو أي واحدة من الأخوات لتهدئة زوجة قاسم، فقد كن يدركن بأن أي كلمة تقال لها ستكون بمثابة دلق الزيت على النار، فتركنها لأمرها.

وباتت الأم تقوم وتمشي قليلًا، ثم تجلس واضعة يدها على خدها، لتقوم من جديد وتجول في الغرفة على غير هدى وهي تبكي، وفجأة وقفت وطلبت من مريم أن تذهب لاستدعاء عائشة، فذهبت، وسمع في هذا الوقت صوت الأب من الغرفة الأخرى يذكر بأنه جائع.

فقالت الأم مقطبة حاجبيها:

-وهذه هي مصيبتي الأخرى لا يهمه إلا بطنه و….

ولم تكمل. فقالت شماء:

-اسكتي يا أمي ولا تصبي غضبك عليه، فيكفيه ماهو فيه من حال.

اتجهت فاطمة إلى الغرفة الأخرى وأعدت لأبيها قليلًا من الطعام وأطعمته، في حين رفض الآخرون الأكل.

وصلت عائشة وكانت قد علمت من مريم في الطريق بما حدث. وقبل أن تدخل غرفة أمها وقفت في باحة الدار مع زوجة قاسم محاولة تهدئتها، في حين كانت الأخرى مستمرة بالشتائم والتهديد، فقالت لها عائشة:

-حسنًا، حين سيأتي أخوك سيكون لك ما تريدين، سنتطلق جميعًا ويذهب كل في حال سبيله، أما الآن فكفي عن الصراخ لأنه لا يقدم أو يؤخر في الأمر شيئًا.

ثم غيرت نبرتها فهي تدرك المصيبة التي حلت بزوجة أخيها:

-أرجوك أن تهدئي وادخلي معي كي نبحث الموضوع. إلا أن زوجة قاسم رفضت وفضلت العودة إلى غرفتها، فتوجهت عائشة إلى غرفة أمها.

وما أن رأتها الأم حتى سألتها مستجدية:

-ما العمل يا عائشة؟

-وكيف لي أن أدري -وضربت كفيها أحدهما بالآخر وجلست- حين سافر في السابق لم تكن بالمصيبة الكبرى، أما الآن فلمن ترك أسرته، لقد اعتقدنا بأنه سيعقل بعد الزواج وسيبدأ يتحمل المسؤولية، فلديه الآن طفلان وزوجته حامل، ومع ذلك سافر ضاربًا بعرض الحائط كل شيء! أي عاقل يفعل فعلته؟ اعتقدت بأنه قادر على التعامل بأنانية فقط مع أهله، أما مع أطفاله! فهذا مالا أستطيع فهمه، أي شخص أناني يخفي في جلده، آه -وصدرت الآه من أعماق دفينة بداخلها- وأنا، أية غبية كنت حين وافقت على تلك الزيجة وربطت مصيري بمصيره، لقد تأملت أن حياتي ستهدأ، وها هو قد عاد ليثير فيها زوابع لا أدري إلى أين ستطيرني، أية غبية أنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت