فهرس الكتاب

الصفحة 850 من 1574

ووضعت يدها على عينيها وكأن عاصفة سوداء قد ثارت أمامها برياح قوية تعوي وتقتلع كل غصن في طريقها، وتتسارع باتجاهها. شعرت بنفسها تقف على حافة هاوية، لا جدار تستند إليه ولا جدار تختفي وراءه من العاصفة، ولا محالة لها من السقوط، السقوط الذي كانت تخافه وتقاومه دائمًا.

الرياح تعوي والعاصفة تجلجل وعائشة تغمض عينيها بيدها خوفًا من أن تراها، أدركت لحظة أن حياتها كلها عبارة عن عاصفة مؤجلة أمضت عمرها تقاوم وتؤجل حدوثها، وقد حانت الآن هذه اللحظة. أحست برعب فظيع ينتابها، رعب من عمق الهاوية إذا سقطت فيها، ومن سواد الأفق إذا طيرتها الرياح.

اقتربت الأم منها وأزاحت يديها عن عينيها، ولم تتردد عائشة، فبرغم أنها لم تفعل ذلك منذ زمن طويل فهي الآن في هذه اللحظة قد شعرت بضعفها الشديد، ضعف طفلة مذعورة، ألقت برأسها على صدر أمها وبكت. وسال من عينيها الدم الذي حبسته بفمها.

تركتها الأم تبكي، وبقي بكاء عائشة هو الشيء الوحيد الذي يذكر بالحياة في تلك الغرفة فقد جلست الأخوات، والأم يحدقن إلى فراغ مضغوط يوشك على الانفجار.

في ذلك الوقت خرجت زوجة قاسم إلى الباحة وراحت تنادي أطفالها، فقامت شماء لتراها وقد جهزت نفسها للعودة إلى بيت أهلها. حاولت أن تصدها عن قرارها، إلا إن زوجة قاسم ردت:

-ما الذي سيبقيني، وكم من الأيام أو السنين سأنتظر، لا، فليعد كل من حيث أتى، فلم أعد قادرة على الصبر أكثر من ذلك. ففي بيت أهلي سأعيش معززة مكرمة، أما أولادكم -وقصدت أطفال قاسم- فسيبحث أهلي وأخي أمرهم حين عودته من السفر، وخرجت.

وبالطبع لم تتجرأ عائشة بعد ذلك على العودة إلى بيت زوجها فقد كان طردها من هناك محتمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت