عادت شماء إلى الغرفة وجلست في إحدى الزوايا تفكر، إنها السبب وراء كل ما يجري، فلولا دراستها لما حدث شيء. كيف ستستطيع بعد ذلك أن تدرس، كيف ستواجه نفسها حين تبني مستقبلها على أنقاض حطام عائلتين، لقد كانت مغفلة حين اعتقدت أن حياتها وحياة أسرتها ستأخذ المجرى الصحيح وستكون دراستها هي المنقذ. نعم مغفلة، كان يجب عليها أن تدرك أنهم في تلك الأسرة هم من الذين قدر لهم أن يعيشوا البؤس بكل أبعاده ولآخر يوم في حياتهم. وما كان يجب عليها أن تعارض التيار الذي يسيرهم، كان يجب عليها أن تجلس ساكنة في المركب وإلى الأبد لأن حركتها وكما ظهر قد أخلت بتوازن هذا المركب، فباتت أمواج التيار تلاطمه من كل الجهات لتحطمه وتحطمه وتحطمه. ولتصبح حياتهم فتات حطام، وأحست بأنها قد اقترفت جريمة بحق الجميع، ما الذي فعلته -تساءلت- وأمسكت رأسها بيدها ضاغطة عليه.
ثم انتبهت عائشة إليها وأنها مازالت موجودة على الرغم من أن موعد سفرها إلى الجامعة قد حان، فحثتها على السفر. أجابت شماء بصوت منخفض، إنها فقدت الرغبة في الدراسة خاصة وأنها السبب في كل ما حصل.
فثارت عائشة:
-أي تخريف هذا! السبب فيما جرى ويجري هو أخوك ولست أنت، فهو منذ وعى الحياة لا يفكر إلا في نفسه، حتى الآن وبعد أن أنجب أطفالًا ظهر أنهم لا يعنون له شيئًا مقابل ذاته.
تنهدت بعمق وصمتت قليلًا ثم استطردت:
-اسمعي يا شماء، لقد ضاقت نفسي وليست لديّ قدرة على الحديث، جهزي نفسك واذهبي لدراستك فليس أمامك من خيار آخر.
كانت لهجة عائشة صارمة فتجنبت شماء مناقشتها كي لا تثور مشاكل جانبية وجهزت نفسها وانطلقت، واستمرت خلال الطريق تؤنب نفسها، فمستقبل عائشة أختها مهدد بالانهيار بينما تتجه هي إلى جامعتها، أي منطق أعوج يحرك الأمور؟! لماذا؟ عذبها هذا السؤال: لماذا تركب المعادلات بهذه الطريقة؟ من جديد معادلات خاطئة ونتائج خاطئة، لماذا قوانين الحكومة التي توجب دفع مبلغ سترده فيما بعد؟
ولماذا هم بهذا الفقر، لا مخرج سوى الأرض البائسة التي لا يملكون غيرها؟ ولماذا أبوها مريض وغير قادر على العمل؟ ولماذا رزقهم الله بهذا الأخ؟ ولماذا سافر؟ ولماذا تزوجت عائشة من أخي زوجته؟ ولماذا لماذا لماذا. شعرت بالأسئلة كبركان يثور في رأسها فيغرقها ولا تجد أية إجابة تتمسك بها.