وودت لو توقف الباص بيدها لتعود راكضة إلى الوراء. وبالفعل فقد جلست وشدت بقبضتها على النافذة، وضغطت بجسمها على مقعدها بشدة ودفعته دون وعي إلى الوراء، لكن الباص ظل ينطلق مسرعًا وينطلق معه العالم إلى الأمام، ضغطت أكثر على مقعدها وأرادت أن توقف الزمن نفسه، ليسكن كل شيء من حولها. لتسكن في بيتهم الحركة والمشاكل والهموم. والأهم من ذلك ليسكن شعورهم بالألم، هذا الألم الذي كان يتسارع بتسارع الباص، ويعلو كما تعلو الجبال على طرفي الطريق، لكن شماء أدركت أنها مهما ضغطت على المقعد ومهما شدت قبضتها فلن تستطيع أن توقف أي شيء، كانت حركة الحياة أقوى منها بكثير، ولا تملك سوى ضعفها الذي لن تستطيع أن تواجه به شيئًا، واستمر الباص مسرعًا إلى حيث جامعتها.
مضى اليوم الأول، ولم تنم الأم ولا عائشة ليلًا، ولم تؤثر حبوب المسكن الكثيرة التي تناولتها الأم، وبقي الصداع وضيق النفس يعذبانها طول الليل. ففتحت النافذة برغم برودة الجو إذ كان الخريف في أواسطه، ومع ذلك لم تستطع أن تتنفس بعمق.
وفي اليوم الثاني أصرت الأم على اللجوء إلى العم إبراهيم عساه يساعد بشيء على حل المشكلة. ولكنه وكما توقعت عائشة لم يكن قادرًا على فعل شيء، فقاسم خارج البلاد وهذا فوق طاقته. لو كانت مشكلة أخرى وقاسم هنا لتدخل. لكن المصيبة هي في سفر قاسم. وأين سيجده. كل ما استطاع أن يقوم العم به هو محاولة تطمينهم -برغم شكه في ذلك -بأن قاسمًا قد يعود بعد أن ينفق المبلغ الذي حصل عليه.
ومضى اليوم الثاني، وعائشة تنتظر قاسمًا وترجو الله أن يؤخر قدوم زوجها. وفي اليوم الثالث ساءت الحالة الصحية للأم فلم تعد قادرة على التنفس بشكل طبيعي وأغمي عليها.
وفي أول مرة لعنت عائشة قاسمًا بكراهية. وصرخت طالبة المساعدة بعد أن حافظت من قبل وفي كل المآزق على ألا يعلو صوتها.
استجاب الجيران ونقلت الأم إلى المستشفى، مكثت هناك عدة ساعات وأصرت في المساء على العودة إلى البيت بعد تحسن حالتها، وعادت محملة بالأدوية.
وفي اليوم الرابع لزمت الأم فراشها. أصر الأب أن يجلس بجانبها، فقد آلمه كثيرًا مرضها، ثم صرخ بانفعال:
-سأقتله بيدي هاتين إذا عاد، فما من خير في حياته.
نظرت إليه الأم بعينين واهنتين مغمومتين وقالت:
-وأي خير في حياتك أنت؟ لو كان فيك خير لما كانت حالتنا هكذا.