فهرس الكتاب

الصفحة 853 من 1574

لم يجبها الأب. حدق إلى الأرض مخفيًا نظرة حزن عميق، إذ شعر بحبل أمه السري حين ولدته وقد التف على جسمه وقيده مدى حياته، ولو ثار الآن على زوجته- وهو لن يفعل، فهو يشعر بالشفقة الكبيرة عليها -لما غير من الواقع شيئًا، فهو عاجز عن فعل أي شيء حقيقي يغير مجرى الأمور.

كانت الحقيقة المرة تسري مع دمه في عروقه، لقد كان عاجزًا وسيموت عاجزًا، ولن يذكره أحد بعد أن يموت، سوى لعنات ستتطاير في الأفق وتجرح روحه، لكونه في حياته قد تسبب في بؤس أشخاص حين أنجبهم، ما كان يجب أن يتزوج وينجب، ما كان يجب عليه أن يولد من الأساس. ولعن الحياة والموت، لأن روحه لن تكتسب السكينة أبدًا لا في حياته ولا في مماته.

وفي اليوم الخامس كانت عائشة تقف بجانب النافذة حين رأت باب الباحة يفتح ليظهر قاسم، تجمدت في مكانها واعتقدت أنها تتخيل، لكن قاسمًا كان يمشي متوجهًا إلى غرفته، ظلت تحدق إليه وهو يدخل الغرفة ليغيب عن ناظريها، وتأكد لها آنئذ أنها تتخيل، بيد أنه سرعان ما خرج من هناك واتجه نحو غرفتهم. دفع باب الغرفة ودخل.

لم تستطع عائشة أن تحدد مشاعرها في تلك اللحظة: أهي سعيدة بقدومه أم أنها تتمنى لو أنه لم يعد لينتهي وإلى الأبد من حياتهم.

هز دخوله جميعهم، وقف الأب دون أن يدرك لماذا، وحدقت إليه فاطمة ومريم وكأنهما تريانه أول مرة في حياتهما.

جحظت الأم عينيها: بدخوله انحسر البركان الذي تفجر وكاد يجرفهم، بدخوله انبنى العالم الذي تحطم وكاد يسحقهم، بدخوله انطفأت النيران التي اشتعلت وأوشكت على حرقهم، يا لفرحتها! وسالت دموعها، أتبكي فرحًا وشكرًا له، أم أنها دموع أسى على من فجر البركان وأشعل النار وحطم هدوء أيامهم؟ إنها لا تدري، إنها فرحة وبودها أن تقوم وتحضنه بيدين مرتجفتين، وحانقة بودها أن تصفعه بهاتين اليدين بكل ما تملكان من حزن وعتاب وغضب، نهضت الأم جالسة في الفراش.

ألقى قاسم السلام بهدوء وكأنه لم يغب عنهم أبدًا.

فردت الأم بحنق:

-وأي سلام علينا؟

فاستغرب ردها وسأل:

-هل حدث شيء؟

صعقت عائشة من بروده، أيفتعل هذا البرود أم أنه بالفعل كذلك؟

أجابت الأم ساخرة:

-لا، لم يحدث شيء على الإطلاق سوى أنك اختفيت دون إنذار فلا يعرف أحد أحي أنت أم ميت، أتعود أم لن تعود.

فأجاب:

-لماذا؟ لأنني سافرت بضعة أيام، ألا أملك الحق في ذلك، أم أنك تريدينني أن أربط قدمي برسن في ساحة الدار ككلب الحراسة؟ إنه لشيء مضحك!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت