فهرس الكتاب

الصفحة 854 من 1574

حدقت إليه عائشة. وبرغم أنها لم تود قول شيء له أرادت أن تنظر إلى عينيه، فكل مادار بخلدها كانت عيناها تشعان به، بينما تحاشى هو النظر إليها ووجّه سؤاله إلى الأم:

-أين زوجتي؟

-عادت إلى أهلها، وهم هناك ينتظرون عودة زوج عائشة ليباشروا بعملية الطلاق.

هز رأسه ساخرًا واتجه نحو الباب ليخرج، فرفعت الأم يدها وهمت باستيقافه لقول شيء. فقد بقي الكثير لتقوله، لكن عائشة منعتها قائلة:

-إنه فاقد الإحساس، وبداخله لا ينبض إلا الأنا، فلا تتعبي نفسك لأنك ومهما قلت لن تحركي فيه شيئًا.

وجلست وهي تشعر بماء بارد ينسكب على جسمها مجمدًا كل الأفكار والانفعالات.

انتصف يوم الخميس واستمرت الرياح الشرقية الباردة بهبوبها غير آبهة للشمس التي توسطت السماء وباتت تبعث أشعة عمودية.

وصلت شماء. ولأن قساوة الحياة لم تبق في نفوس أهلها سوى القيود التي تكبلها، كان قدومها يشكل دائمًا هامشًا صغيرًا يذكرهم بمعنى الحياة فيفرحون كثيرًا إلى درجة تبدو فيها الحياة وكأنها قد نامت في داخلهم منذ بداية الأسبوع لتستيقظ بقدومها في نهايته.

وصلت قبيل الظهيرة، استقبلوها بشوق وكأنها قد غابت عنهم قرنًا من الزمان. أغلقت الأم وراءها الباب سريعًا كي لا تبرد الغرفة، ثم توجهت شماء إلى فراش في طرف الغرفة استلقى عليها أبوها، فسلمت عليه وسألته عن صحته، وتنهدت حين أخبرها بأنه مصاب بصداع دائم، ثم جلست على فراش قريب منه واضعة إلى جانبها حقيبة الكتف وكيسًا آخر مليئًا بالأشياء.

حملت الأم المدفأة ووضعتها أمامها، ثم قالت وهي تضع إبريق الشاي على سطحها:

-لابد أنك تعبة وبردانة، وكأس شاي ساخن سيخفف من ذلك!

فأجابت شماء وهي تعرض يديها لحرارة المدفأة:

-نعم، فقد اشتقت إلى شاي المدفأة، لكن أرجو ألا تزيدي من حلاوته!

ثم تناولت شمّاء الكيس الذي بجانبها وراحت تخرج ملابس منه وهي تقول:

-لقد أحضرت لكم بعض الملابس الشتوية، صحيح أنها مستعملة لكنها بحالة جيدة، فقد اشتريناها من محل ملابس مستعملة لم أعرفه من قبل، اكتشفناه مؤخرًا أنا وصديقة لي في أحد أحياء العاصمة. وبرغم أن أسعار الملابس في البداية كانت باهظة لم أخجل من مساومة البائع فخفض السعر إلى النصف.

وراحت توزع ما جلبت: فأعطت الأم قميص نوم طويلًا ودافئًا، ثم أخرجت حذاء شتويًا وأعطته لمريم فتناولته الأخيرة بفرح إذ كانت في أمسّ الحاجة إليه، وأحضرت لأبيها جاكيتًا صوفيًا فنهض جالسًا في فراشه وقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت