-أعطني إياه يا فاطمة، سأرتديه.
ناولته فاطمة الجاكيت حيث ارتداه فوق الكثير من الملابس الخفيفة وبقي فيه فقالت فاطمة:
-اخلعه يا أبي، يجب أن نغسله أولًا.
-لا، إنه نظيف ودافئ. وسأبقى فيه.
بقي الأب يرتديه أيامًا عديدة رافضًا خلعه.
أما الأم فراحت تقيس قميص النوم الذي بدا طويلًا جدًا مما أضحك مريم، لكن أمها لم تأبه لذلك، وردت قائلة:
-هذه ليست بالمشكلة. المهم أنه ليس ضيقًا، سأبعثه لعائشة كي تقصره. وخصت شماء فاطمة بتنورة طويلة وبمجموعة من الكتب والروايات حيث كانت تهوى القراءة كثيرًا، لكن الأم احتجت ففاطمة كانت في سنتها المدرسية الأخيرة وسيلهيها ذلك عن الدراسة.
فرح الجميع بالهدايا فقد حصلوا على شيء جديد وإن كان مستعملًا…
وبعد تناول الغداء، حان الوقت أخيرًا للجلوس والاستماع إلى أحاديث شماء. وكانت تلك الأحاديث هي الشيء الآخر الذي ينتظرونه، حيث تنقلهم بما تروي من قصص وبما تصف من أماكن، من غرفهم تلك -ولو فترة قصيرة- إلى عالم آخر يعيشون فيه بخيالهم كاسرين كل الحدود التي تحيطهم. فيطالبونها بأن تعيد رواية طرائف ومغامرات حدثت لها في السكن والعاصمة.
وتلح عليها مريم:
-حدثينا عن مغامراتك الجديدة في السكن.
-هذه المرة ليس من جديد، فقد مضى الأسبوع بلا أية مغامرات.
-إذاَ قصي لنا حادثة طبخ الملوخية.
فتذمرت شماء:
-لقد مللت من روايتها:
-لا يهم، سنسمعها من جديد.
استجابت شماء لإلحاح مريم وراحت تروي كيف اكتشفت مرة في أحد الأكياس التي بعثتها معها أمها ملوخية مجففة بدل النعنع، فقررت أن تتجاوز قوانين السكن وتطبخها، فقمن هي وصديقاتها بتحضيرها على الموقد الكهربائي الذي بحوزتهن، إلا أن مديرة السكن شمت الرائحة وكشفت الأمر مما اضطرهن إلى دلقها من النافذة، لإخفاء آثار الجريمة، فأعادت الأم السؤال الذي تلقيه في كل مرة:
-ولم تتذوقنها؟
فقالت شماء:
-وكيف لا، فقد رحنا بسرعة نغط الخبز فيها قبل دلقها. بل أنني تمنيت لو أكون واقفة في الشارع تحت النافذة وفاتحة فمي كي تندلق الملوخية فيه.
ضحكن جميعًا، وضحكت شماء معهم وهي تشعر بأنها وهبتهن شيئًا من الفرح.
كانت الرياح الشرقية في الخارج مازالت تهب، فيتسلل جزء منها إلى الداخل عبر الباب الذي يصعب إغلاقه بإحكام، فيبرد هواء الغرفة، حركت الأم مقبض المدفأة بغية زيادة حرارتها وهي تسأل:
-ألا تشعرين بالبرد هناك؟
فردت شماء ضاحكة: