فهرس الكتاب

الصفحة 857 من 1574

وسرعان ماحل المساء منبهًا إلى نهاية يوم آخر من حياتهم، لم يشعروا بثقل ساعاته…

مرت السهرة سريعًا كالنهار. وبدأ جميعهم يستعدون للنوم. ونتيجة الصفاء توقّع الأب أن تأتي زوجته لقضاء ليلتها معه، فصارحها بذلك، لكنها أنهضته من فراشه قائلة:

-ليس لك قوة على النهوض من فراشك أيها العجوز، وتريدني أن آتي معك!

اذهب لفراشك وانسَ الأمر.

رد الأب بامتعاض شديد وهو ذاهب، خائب الأمل:

-إنك زوجة عاقة وسيعاقبك الله على ذلك، تبعثين بي لأنام وحيدًا في غرفة باردة، سأتجمد فيها، وأعرف أنك ستسعدين بذلك.

وكانت نبرته قد أخذت تزداد حدة، فهدأته فاطمة بأن حملت المدفأة وقالت:

-اطمئن فلن تتجمد، ولا أحد يريد لك ذلك، سأضع المدفأة في غرفتك لتدفئها بعض الشيء قبل النوم.

وقادته لينام في الغرفة الأخرى، فمشى وهو يتمتم بكلام احتجاجًا على سلوك الأم. ساعدته فاطمة على النوم وعادت بعد أن منعت حدوث مشكلة جديدة.

مدت الأم ومريم الفرشات على الأرض واندست كل واحدة تحت غطائها. ناموا جميعًا وأمضت مريم ليلتها في أحلام كثيرة.

كان أول شيء تخيلته هو التدفئة المركزية وفتيات ينمن بقمصان نوم خفيفة. وكان البرد قد ازداد في الليل فراح جسم مريم يرتجف، فأحنت قدميها مقربة إياهما من بطنها وتكورت على نفسها وهي تفكر بأن جسمها قد اختزن من البرد مالا تستطيع أية تدفئة مركزية أن تطرده.

ثم بنت بخيالها بيتًا صغيرًا داخليًا تتحرك فيه ضمن ممرات مدفأة ولا تضطر للخروج إلى الساحة إذا احتاجت أن تذهب إلى المطبخ أو المرحاض، وتجلس فيه حيث تريد غير مقيدة بموقع المدفأة، وتنام على سرير لين يرتفع كثيرًا عن الأرض، وترتدي قميص نوم أبيض ونظيفًا، وتستحم في حمام يسيل من حنفياته الخارجية من الحائط ماء ساخن لا يبرد أبدًا. ويقع البيت على قمة هضبة ترى من خلال شرفته العالم كله.

ودون وعي منها استحال حلم اليقظة إلى حلم آخر أيقظها في الصباح:

كانت تركض في ساحة الدار خائفة من شخص يلاحقها، لم تتبين معالم وجهه لكنه كان يغلي غضبًا ويبغي قتلها. استطاعت أن تهرب منه حين دخلت الغرفة التي ينام فيها أبوها وأغلقت الباب وراءها لاهثة فبقي ذلك الشخص في الخارج يزمجر كالوحش. ألقت بنفسها في حضن أبيها فضمها إلى صدره مهدئًا إياها، طابعًا الكثير من القبل على شعرها وجبينها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت