كان أبوها طويلًا، قوي البنية، في غاية الطيبة والعطف. أجلسها في مكانه وقام ليتصدى للشخص الذي يلاحقها، فخافت عليه وأرادت أن تبقيه كي لا يصرعه ذلك الشخص. لكنه أصر وتوجه نحو الباب ففتحه، وخرج وأبقى الباب مفتوحًا. ولم تصدق مريم عينيها فصعقت حين تبينت ملامح ذلك الوحش. لقد كان أيضًا أباها.
وراح الأبوان، الطيب والمرعب، يتصارعان بقوة ودون رأفة ينوي كل واحد منهما أن يقتل الآخر.
استيقظت مذعورة ولم تحدث أحدًا بما رأت.
لاحظت أن جميعهم قد استيقظوا قبلها فقامت بسرعة وكعادتها جلست بجانب المدفأة وفكرت طويلًا في الحلم. ثم قامت باتجاه الغرفة الأخرى لتشارك بإعداد الفطور. كان أبوها ما يزال نائمًا، أما فاطمة وشماء فلم تنشغلا بتحضير الطعام، بل جلستا على فراش اسفنجي وراحتا تتحدثان بصوت خافت سرعان ما قطعتاه حين لاحظت فاطمة قدوم مريم.
ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي تلاحظ فيها مريم ذلك.
فقد تكرر انفرادهما وتمتماتهما بصوت منخفض مرات كثيرة.
وبالإضافة إلى ذلك فقد لاحظت في هذه المرة شيئًا على درجة من الغرابة أثار شكوكها. ففي الأمس، حين كانت هي وأمها مشغولتين بقياس الملابس التي جلبتها شماء، استغلت فاطمة الفرصة وتناولت حقيبة شماء وغابت بها بعض الوقت، ثم أعادتها إلى مكانها محاولة ألا يراها أحد، وراحت تقيس ملابسها، وبرغم استغراب مريم لهذا السلوك إلا أن زخم الأحداث والأحاديث أنساها التفكير في ذلك.
لابد أن سرًا ما يوحدهما. أثار ذلك فضولها وغيرتها كثيرًا:
فلماذا تثق شماء بفاطمة ولا تثق بها، لماذا يقطعن الحديث كلما ظهرت. وما هو ذلك السر. ولماذا اختفت فاطمة بالحقيبة. وماعساه يكون في داخلها. أسئلة كثيرة بدأت تعذبها، ونار غيرة تشتعل بداخلها وتحرقها.
كل هذا عكر مزاجها وقررت أن تقوم بمراقبتهما.
مضى نصف النهار. ثم قررت شماء أن يقمن بزيارة سريعة لعائشة في بيتها قبل العودة إلى العاصمة.
بقيت مريم خلال الزيارة بانتظار سماع شيء ما حول ذلك السر، إلا أن انتظارها كان عبثًا.
وفي اللحظة التي أوشكت فيها أن تعلن لذاتها بحسرة عن فشل مساعيها، شرعت عائشة، وبعد مقدمة دبلوماسية، بإلقاء وصايا لابد لها أن تعيدها على شماء في كل مرة، فقالت:
-أنا أعرف يا شماء أنك ناضجة وعاقلة. لكنني أخاف أحيانًا أن تتشبهي هناك بالفتيات الجريئات، وتبدئي بإقامة علاقات مع الشباب.