فتذكري أن تلك الفتيات رضي أهلهن عن سلوكهن أم لم يرضوا فهم في النهاية يقفون وراءهن كالجدار السميك. أما نحن فما من أب وما من أخ تسندين ظهرك إليه. وبالتالي فوضعك يختلف عن وضع باقي الفتيات، وهذا ما يجب أن تذكريه دائمًا قبل أن تقدمي على أي تصرف، فأي خطأ صغير أو كلمة عابرة قد تمسك بسوء كبير، لأن الناس في مجتمعنا كالوحوش يلتهمون الضعيف ويخافون القوي. فلا تفسحي المجال لأحد أن يمسك بكلمة، وانتبهي فقط لدراستك، فلم يبق لك سوى عام واحد وتحصلين على الشهادة. وشهادتك هي الشيء الوحيد الذي سيعوضك عما تفتقدين. فكوني في هذا العام كما كنت في السنوات السابقة.
كانت شماء تنصت بملل إلى عائشة التي تلقي محاضرتها في المرة الألف، ثم علقت ببرود:
-اطمئني، فعلاقاتي مقتصرة على الفتيات فقط، وأحاول دائمًا تجنب الاحتكاك بالشباب لأنني أدرك ما تقولين جيدًا.
كان الكلام موجهًا إلى شماء وحسب، ومع ذلك كانت عائشة تتحدث وهي ترمق فاطمة ومريم بنظراتها بين الحين والآخر، كأنما تقول بأنهما معنيتان أيضًا. فما قالت ليس مجرد وصايا ونصائح بل هو بمثابة وثيقة يجب على كل واحدة منهن أن تعتمد عليها في انطلاقتها وفهمها للحياة. وعلى رغم الرعب الذي بعثه هذا الكلام في نفس مريم جاعلًا إياها تنكص إلى الوراء قبل أن تخطو أية خطوة إلى الأمام، على رغم ذلك فقد شكل بالنسبة إليها حلًا لعقدة عذبتها طوال النهار.
الشباب. لابد أن السر بين فاطمة وشماء يخص عالم الرجال. وبدأت الأبواب تتفتح في ذهنها لتكشف عما وراءها، وفكرت: لابد أن لشماء علاقة بشاب ما. ولابد أنهما يتراسلان، ولابد أن تكون فاطمة قد أخذت من الحقيبة رسالة. ولابد أنهما في جلساتهما يتحدثان عنه.
لكن فاطمة لم تستطع قراءة الرسالة، فمنذ الصباح وهي تراقبها.
وفي الأمس لم تلاحظ غيابها فترة طويلة.
إذن لابد أن شماء تترك رسائلها هنا لفاطمة. لكن ذلك يشكل مغامرة كبيرة، فماذا لو وجد تلك الرسائل أحد. وتخيلت ماذا سيحصل في البيت:
الأم والأب لا يشكلان خطرًا كبيرًا. أما قاسم، وترددت قبل أن تحسم رأيها تجاهه إذ أنه لا يشكل عليهن أي ضغط من هذا الجانب، فحين سافرت شماء للدراسة خارج القرية لم يعترض. لقد حدثت حينها مشاكل ولكن لسبب آخر، وليس لأنها فتاة ستسافر وتعيش وحيدة وبعيدة عن أعين أهلها. ثم إنها لم تسمعه في مرة من المرات يسأل شماء عن علاقاتها هناك أو يحذرها أو يهددها بشيء. إن الأمر ببساطة لا يعنيه!