لكن ذلك الأسبوع كان يحمل في أحد أيامه حدثًا وإن كان لا يخصها أو يخص أسرتها فقد أنساها سر شماء فترة.
كان ذلك يوم ثلاثاء، وكانت الرياح الشرقية قد كفت عن الهبوب منذ يومين وهدأت تاركة المجال لرياح غربية رطبة وباردة تعلن عن نفسها شيئًا فشيئًا، وتدفع إلى السماء منذ الصباح من أفق بعيد كتلًا من الغيوم، مما أثار بهجة الأم إذ شكّل ذلك بشير خير لها بعد أن قلقت وخافت أن يكون الشتاء جافًا.
في الظهيرة عادت فاطمة ومريم من المدرسة وأحستا برائحة المطر قبل هطوله حين سكبت الأم حساء العدس في صينية ألمنيوم ووضعته على الأرض. تحلقن حول الصينية وبدأن الأكل في حين بقي الأب في الغرفة الأخرى نائمًا بعد تناول الغداء.
أظلمت الغرفة قليلًا وكأن أحدهم قد أسدل ستارة ضخمة في السماء. بسملت الأم وقالت:
-خيرك يا الله.
وفتحت باب الغرفة ونظرت إلى السماء. رأت فيها غيومًا رمادية تتقدم بهدوء ووقار. وسرعان ما دوى صوت الرعد، كأنما قرع طبول تحملها الغيوم معلنة بدء عرس في الطبيعة، ثم بدأ المطر ينساب غزيرًا بخطوط مستقيمة مؤديًا دوره ببراعة في هذا العرس، وتراكض برحلة حياة قصيرة بين السماء والأرض. وكأنه لحظة زمن قد سالت من السماء لترقد في الأرض وتنتهي.
وعادت الغيوم تقرع طبولها.
واستمر المطر، مطر لا يزعج أحدًا، تلتمع حباته حين يخترق الأفق الرمادي بارقًا كالسيف.
ومضت ساعات النهار مبللة بالمطر.
ولم يدرك الناس حين أظلمت السماء أهو المساء قد حل مبكرًا أم أن الغيوم السوداء التي بدأت تكتسحها قد حجبت الرؤية.
جلست الأم وفاطمة في الغرفة بجانب المدفأة، وفي الزاوية القريبة من الباب وضع سطل فارغ كان الماء الذي يدلف من السقف يتساقط فيه خطوطًا تُحدث قرقعة تتناغم مع صوت العاصفة في الخارج.
جلست مريم في الزاوية الأخرى. فقد كانت تعتقد أن الزاوية هي المكان الأكثر أمنًا في الغرفة، وأغلقت أذنيها حين صفرت الرياح عاليًا وكأنها أنين وحش يجر حملًا ثقيلًا، وخيل إليها أن وجه السماء تحول إلى سواد كالح يكشف عن أنياب بين لحظة وأخرى، ويدوي في الأفق رعدًا ملتهمًا بقايا سكون فتتته العاصفة، حتى المطر بدا لها وكأنه يقذف من السماء شظايا انفجارات تحدث هناك.
استمرت العاصفة، ولم يكن هناك أي شيء يوحي بقرب انتهائها، فكان عواؤها وضجيجها يعلوان ويقويان محطّمينِ ساعات الزمن.