وفجأة دوى صراخ نساء، وكأن العاصفة استنفدت كل ما لديها من هدير فداعبت النساء حاثة إياهن على مشاركتها.
أنصتت الأم كي تميز الأصوات. كان صراخ نساء يدوي من مكان قريب، قامت لتستوضح الأمر، فرجتها مريم:
-أرجوك لا تفتحي الباب ولا تخرجي.
وخيل إليها أن العاصفة قد تحولت إلى وحش يزمجر ويدوس العالم بقدميه محطمًا كل شيء يصادفه.
لم تستجب الأم لها وخرجت.وسمعت صراخ النساء بوضوح، فتوجهت إلى بيت قاسم ونادته:
-ألا تسمع الصراخ؟
-بلى سمعت، ما الذي حدث؟
-لا أعرف، لهذا جئتك لتستطلع الأمر، اذهب يا بني واعرف مصدر الصراخ، فلابد أن مصيبة قد حلت بأحدهم.
-حسنًا سأرتدي المعطف وأذهب.
فكرت الأم قليلًا وقالت:
-سآتي معك، انتظرني.
-لا داعي لذلك. ابقي في البيت فمن الأفضل والأسرع أن أذهب وحدي. وارتدى معطفًا قديمًا دون أن يزرره فتطايرت أطرافه إلى الوراء حين ركض مسرعًا نحو باب الباحة.
وقفت الأم تحت المطر وقد تبللت ثيابها وقالت بصوت عال كي يسمعها قبل أن يخرج:
-يبدو أن الصراخ قادم من الجنوب.
فرد عليها قاسم وهو خارج:
-وأنا أيضًا أظن ذلك.
دخلت الأم الغرفة وبدأت تخلع ملابسها المبللة وهي تقول:
-لقد جن جنون العاصفة، منذ سنين لم تمطر بهذا الشكل. أمض الليلة بسلام يا الله.
سألتها فاطمة.
-هل عرفت ماحدث؟
-لا. بعثت بقاسم كي يستطلع الأمر، لابد أن مصيبة قد حدثت، شعرت بذلك، فقد حدثني قلبي بأن مصيبة ستحدث حين اسودت السماء، غفرانك يا الله.
وامتزج الرعب والمصيبة وصوت العاصفة بقلب مريم، فأخذ ينبض بسرعة مثيرًا رجفة في جسمها. أما فاطمة فقد بدأ التوتر يظهر عليها فلم تستطع الاستمرار بقراءة الكتاب ووضعته جانبًا، وجلست صامتة. فيما أخذت الأم تروح وتجيء مستعجلة قدوم قاسم، ثم فتحت باب الغرفة لعلها تراه في الخارج. لم تر سوى مطر وريح قوية تطيّر كل ما يصادفها في الساحة. سمعت أصوات أناس مسرعين في الشارع، فأسرعت بتناول بطانية ووضعتها على رأسها وخرجت. فتحت باب الباحة الخارجي، ورأت الرجال قد تعدوا بيتها يسرعون الخطى ويحملون فؤوسًا ومعاول، ولم تمسك عن مناداتهم، توقف أحدهم ونظر إلى الوراء ثم توقف أحدهم ونظر إلى الوراء ثم توقف الآخرون واتجهوا نحوها، فقالت:
-اعذروني لاستيقافكم، أردت أن أعرف ما الذي حصل في القرية إذا كان لديكم علم بذلك؟
أجابها أحدهم:
-انهارت إحدى غرف بيت صالح الأحمد، ولسوء حظه كان موجودًا فيها وقت انهيارها.
شهقت الأم: