-لا حول ولا قوة إلا بالله، وهل مات؟
-لا أحد يعرف حتى الآن، فهو ما يزال موجودًا تحت الأنقاض. ويحاول الناس الآن إخراجه. قالوا ذلك وهم يديرون ظهورهم مسرعين باتجاه الجنوب.
عادت الأم راكضة إلى الغرفة وهي تهز رأسها أسفًا.
كان صالح الأحمد عجوزًا بخيلًا يناهز السبعين من عمره، أبًا لأربع فتيات وستة شبان، ويملك دكانًا. بعد أن تزوجت ابنتاه الصغيرتان وأربعة من أبنائه الشباب وبنوا لأنفسهم غرفًا باطونية في البيت نفسه، بقي هو وزوجته وأبناؤه الآخرون وابنتان عانستان يعيشون في ثلاث غرف طينية.
حين سمعت مريم بالحادث المروع تكورت على نفسها في الزاوية وأبقت نظرها في الأرض كي لا تصادف عيناها السقف إذا نظرت إلى مكان آخر.
كان السقف مكونًا من عدة طبقات، امتدت في طوله جسور حديدية، تقاطعها في العرض جسور خشب تحمل قضبان القصب لتحمل طبقة من الطين تغطيها طبقة من الأسمنت. كل هذه الطبقات في الأيام العادية كانت تخيفها لاعتقادها الدائم بأنها تخفي في ثناياها أفاعي وحشرات وجنًا وعفاريت تبدأ بالزحف والخروج معًا من جحورها ما أن تحل العتمة. أما الآن فهي تخاف شيئًا آخر. هل سيصمد هذا السقف أمام العاصفة؟ ضغطت على رأسها بكلتا يديها كي لا ترى ولا تسمع أي صوت سوى صوت رعبها الداخلي.
قالت فاطمة معلنة عن قلق بداخلها:
-يجب أن نفرش لأبي هنا. فلا يجوز بقاؤه في الغرفة الأخرى وحيدًا. وافقتها الأم وشعرت مريم بأن ذلك قرار صائب، فإذا ما انهارت غرفته فسيكون معهن وينجو، وإذا انهارت هذه الغرفة فسيواجهون المصير معًا.
ثم ساعدت فاطمة أباها في الحضور إلى الغرفة الأخرى بعد أن نقلت مريم بسرعة أغطيته ملفوفة بمشمع كي لا تبتل.
ومن جديد جلس الجميع صامتين مرعوبين. أخذت الأم بيدها مسبحة وراحت تسبّح الله وهي تنقل بأصابعها حبات المسبحة بسرعة مضطربة.
والعاصفة في الخارج لا تكف.
قال الأب:
-إنه غضب الله. فالناس لا يذكرونه إلا في المصائب.
فقالت الأم:
-وهل تذكره أنت! لا أعي أنني رأيتك تصلي.
-وكيف لي أن أصلي. إن الله لا يعتب على أمثالي.
-صل بقلبك.
-ومن أين لك أن تعرفي أنني لا أصلي بقلبي!؟
تدخلت فاطمة قائلة:
-أرجوكما كفا. فالمصائب تحل بالناس وأنتما تبحثان عن مبرر لتتشاجرا.
صمت جميعهم إلا الأم راحت تقرأ آيات قرآنية بصوت مرتفع باعثة رهبة إضافية في جو الغرفة مذكرة الجميع بالموت.