فهرس الكتاب

الصفحة 866 من 1574

جحظت عينا الأم فمن أين له هذه الجرأة والوقاحة ليصرح أمامها بأن الأرض بيعت من أجل شماء. فالأم تعاني وستعاني بقية عمرها من آلام الضغط وضيق النفس بسبب هربه.

تنهدت بعمق وقالت:

-على كل حال يابني الحديث عن وظيفة ومرتب شماء سابق لأوانه، ولا أحد يدرك ماذا سيحصل في الغد إلا الله، فدع كل شيء لوقته.

خاب أمل قاسم فقد كان يأمل في الحصول على وعد ما من أمه.

قالت له الأم قبل أن يهم بالخروج:

-إذا لم ينجح موضوع القرض من البنك ولم تستطع البناء فسيعيننا الله على العيش في هذه الغرف ولن يصيبنا إلا ما قدر لنا.

في وقت الظهيرة وصلت شماء. كانت أنيقة برغم البساطة الدائمة في لبسها، وكانت تحرص على أن تضع منديلًا على شعرها المجعد الذي تعلمت في العاصمة طرقًا لتصفيفه وتنعيمه تزيدها جمالًا. أما وجهها فكان على قدر كبير من البراءة والطيبة: عينان سوداوان، أنف دقيق، ذات بشرة حنطية.

في هذه المرة كانت الأحاديث والأخبار لدى أهلها، فما أن ارتاحت وتناولت طعام الغداء حتى راحوا يحدثونها عن العاصفة وعن موت صالح الأحمد وكيف سقط السقف على رأسه في حين كان يبحث عن نقود أخفاها عن أسرته في هذه الغرفة.

تنازلت مريم عن متعة قص هذه الحادثة لأمها وفاطمة وشغلت بمراقبة حقيبة شماء. لم يكن انتظارها عبثًا، فقد استغلت فاطمة انفعال الأم وهي تحكي عن بخل صالح الأحمد ومريم تستمع، فأخذت الحقيبة بحذر واختفت بها دقائق، ثم عادت. فقدت مريم كل هدوء وبات الفضول يسري بعروقها بدل الدم. وقررت أن تنتظر الوقت المناسب لتكشف السر بعد أن أصبح شكها يقينًا. لقد أخذت فاطمة من الحقيبة رسائل وأخفتها في مكان ما من الغرفة الأخرى. ولم تستطع الانتظار، فذهبت إلى هناك تفتش بسرعة، بحثت في خزانة المؤن ولم تجد شيئًا، وقفت وتلفتت حواليها. أين يمكن أن تخبئها؟

وقع نظرها على الصندوق، كان صندوقًا قديمًا وضعت فيه الأم ملابس عتيقة ليسوا بحاجة إليها لكنها كانت ترفض دائمًا التخلص منها مدعية أنها ستفيدهم ذات يوم.

حين دخلت فاطمة الغرفة ورأتها واقفة تفكر أجلت مريم البحث إلى المساء كي لا تثير شكها. ولم تمض ساعات النهار بسرعة، كان الانتظار متعبًا وقاسيًا، فلم تفلح كل أحاديث شماء بجعلها تنسى ما يمكن أن يكون في الصندوق. وقررت أن تقوم بالبحث مساء حين تساعد أباها على النوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت