فقد كانت قبله تترقب بشوق انبعاث الأخضر من كل شيء ميت، حتى خيل إليها أن جدران غرفهم الطينية يجب أن تزهر. ولم لا؟ لم لا ينطلق من تلك الشقوق عشب أخضر بدل الزواحف… فهي في النهاية مكونة من طين وحجر كالأرض. وفكرت هنيهة أن غرفهم في الحقيقة أقرب ما تكون إلى القبر، قبر محفور في فضاء رمادي منخفض يرقد فيه أناس يمارسون بحركتهم الغريزية شكلًا آخر من الموت. لم تتوقف كثيرًا عند هذه الفكرة لأنها فضلت أن تفكر في كل ماهو جميل وأن تتخيل جدران غرفهم وقد غطاها الأخضر متحديًا لون الأرض.
في ذلك الربيع انتمت إلى العمل السري. وكان للانتماء سحر خاص في نفسها، فباتت تنتشي بزخم من المشاعر يجعلها تعيش حالة لم تحسها من قبل: حالة الانتماء.
كان كل شيء قد خرجت منه يثير فيها خجلًا وأسى.
كانت تخجل من اسمها، من بيتها، من فقرها، من جنسها. وتتمنى لو تخلع كل ذلك عنها كما تخلع ثوبها فتتعرى كما تتعرى الأرض قبل الربيع لتخضر.
وليزهر شيء مافي واقعها كي ترتبط به.
لكن الواقع من حولها كان مفككًا. وكأن يدًا تحمل منشارًا انهارت من السماء على شجرة يابسة فقطعتها أجزاء صغيرة ثم رمتها في نار لتكون لحظات الاحتراق هي الرابط الوحيد لهذه الأجزاء، لهذا الواقع.
أجل، إنه واقع جاف لا يقوى إلا على الاحتراق، فيتطاير منه رماد أسود سرعان ما يستكين على روحها وأيامها مشكلًا طبقة سميكة كالغبار.
وكأن الآن يدًا أخرى امتدت من ذلك التنظيم، لتمسح الغبار ولتشدها إلى جدار متين تسند ظهرها إليه. فلا تعود بحاجة إلى الاسم ولا إلى البيت، يكفيها الشعور بأن قدميها ثابتتان على الأرض… ولا سقف يحد من امتداد الأفق أمام عينيها.
تخرجت فاطمة في المدرسة أواسط الصيف ولم تخيب أمل أحد حين تفوقت ونالت معدلًا عاليًا يؤهلها بجدارة للحصول على منحة حكومية للدراسة في الجامعة. وكان قاسم وقتذاك يشارف على إنهاء البيت الذي شرع ببنائه بعد أن حصل على قرض مصرفي كفله به أحد الأقارب.