أما الأب فلم يستطع الصيف بحره ولا حساء الدجاج، الذي كانت تجلبه عائشة كلما استطاعت، أن يحسنا من حالته الصحية، فاستمرت تميل إلى السوء. لم يكن أحد يعلم بعلته، كان مريضًا ومرضه يتزايد، يده وقدمه ترتجفان بشدة وجسمه أصبح هزيلًا وضعيفًا، وبات لا يقوى على النهوض من الفراش إلا بمساعدة أحد. لم تفهم مريم بعد سنوات طويلة لماذا لم يعرض آنذاك على طبيب، هل كان اتفاقًا ضمنيًا بين أفراد الأسرة كي يعجلّوا في موته، فينقص عددهم؟ لكأن حياتهم طريق في غابة مظلمة والمضي فيها للأقوى، فإذا مرضت فأسرع للموت لأن ذلك سيسهل على البقية السير قدمًا. أي لؤم ذلك! كيف يمكن للحياة التي ارتقت ليكون الإنسان ذروة مراحل تطورها أن تجرد ذلك الإنسان من إنسانيته!؟
بقيت مريم سنين طويلة تتذكر أباها وهو يئن، حتى أنها لم تعد تذكره إلا في حالته تلك. أي وجع كان يؤرقه في تلك اللحظات؟ لا تدري. هو نفسه لم يكن يشكو من شيء محدد، كان يئن ويضعف ويتهاوى في آن واحد. وشكت مرة بأنه اتفق مع الآخرين ومع نفسه على الموت. فلم يطالب بشيء ولم يتذمر. اكتفى بأنين كان يخرج من جسمه على الرغم منه. واستمر عدة أشهر.
في مطلع الخريف التحقت فاطمة بجامعة افتتحت حديثًا في المدينة المجاورة، فوفرت عليها مصاريف السكن، ولم يبق لها إلا دفع قسط الدراسة الذي اقترضته من عائشة متداركة بذلك حصول مشكلة كالتي حصلت مع شماء.
اكتمل البيت الجديد في ذلك الوقت. كان مكونًا من أربع غرف يفتح ثلاث منها على صالون عريض ذي باب واسع يفضي إلى غرفة مستطيلة تشكل واجهة البيت، أما الغرفة الرابعة فقد فتح بابها الوحيد على الشرفة وعزلت بهذه الطريقة عن بقية الغرف. وقد تنازل عنها قاسم لأهله وشغل هو وأسرته بقية الغرف.
انتقلت الأم وفاطمة ومريم إلى الغرفة الجديدة ونقلن معهن ما تملك العائلة من أثاث قديم مكون من فرشات قديمة وأغطية، وحصيرة بلاستيكية وخزانة قديمة. لم تتحقق آمالهم بشراء أخرى جديدة، ومع ذلك فقد سرت مريم كثيرًا حين خصص لها ركن في تلك الخزانة، أحد الأدراج كان لها وحدها، تضع فيه الأشياء التي تملكها، حتى أنها فكرت مرة بوضع قفل له، تحمل مفتاحه لتؤكد بأنها الوحيدة التي تملكه، برغم أن مافيه من أشياء قد لا يبدو للآخرين ذا قيمة تذكر، لكنه كان بالنسبة إليها شيئًا رائعًا.