والشيء الوحيد الذي اشتروه كان مكتبة حديدية، بدا منظرها مقبولًا حين غلفت فاطمة قضبانها ورفوفها بورق لاصق بلون الخشب، ورتبت على رفوفها العليا ما يملكون من كتب وعلى الرف السفلي وضعت التلفاز الذي قدمه لهم العم إبراهيم بعد أن اشترى لنفسه آخر جديدًا.
وهكذا أصبحت مريم تنام تحت سقف أملس لا طبقات فيه ولا جحور. فبدأت تشعر بشيء من الأمان، سيما وأن خطر انهيار هذا السقف غير قائم. فباتت تنام كاشفة رأسها، تحدق في السقف طويلًا، على عكس ما كانت تفعل في الغرف الطينية.
أما الإضاءة فكانت عبارة عن نيون علق على الحائط فوق الباب يضيء الغرفة بضوء فضي أعجبها، وعلقت فوقه لمبة سرعان ما أصبحوا يميلون إلى استعمالها بدل النيون نتيجة الرنين الذي يصدر منه وقت اشتعاله.
انتقلت الأسرة إلى الغرفة الجديدة وبقيت إحدى الغرفتين فارغة فبدت لمريم كعجوز هرم فغر فاه دهشة وحزنًا حين هجر. أما الغرفة الأخرى فظلت مطبخًا وبقي الأب فيها.
لم يع أحد حينئذ أن الأب قد سكن لوحدته، فرفض بشدة الانتقال معهم إلى الغرفة الجديدة.
أثار رفضه دهشة جميعهم فلم ينس أحد طموحه الدائم إلى النوم في الغرفة التي تنام فيها زوجته. وها هي زوجته تبتعد عنه لتسكن منزلًا آخر وتناديه بنفسها ليسكن معها فيرفض ذلك.
جاءت عائشة خصيصًا كي تقنعه، قالت:
-أنت مريض يا أبي وبقاؤك في هذه الغرفة بعيدًا عن الأسرة أمر مقلق. فإذا ما احتجت إلى شيء وناديت قد لا يسمعك أحد. أما في الغرفة الجديدة فستكون قريبًا من جميعهم وكلهم سيكون بخدمتك.
فرد الأب بصوت ضعيف:
-لا يهم. أفضل البقاء هنا!
-إذا كان ذلك لا يهمك، فهو يهمنا. ثم إن الشتاء على الأبواب، والبرد سيزيد من حالك سوءًا، أما هناك فستنام بجانب المدفأة، أرجوك لا تعاندني ولا تخذلني!
-لا تتعبي نفسك يا عائشة، فلن يختلف الشتاء القادم عما سبقه. فقد عشت عمري في هذه الغرفة ولا أريد أن أتركها في آخره.
فتدخلت الأم:
-فكر على الأقل يا أبا قاسم بما سيقال عنا، رجل مريض يرقد على فراش المرض وحيدًا في غرفة طينية، في حين تعيش زوجتك وبناتك في غرفة باطون جديدة. أي عار سيلحق بنا إذا انهارت هذه الغرفة وأنت فيها!
حدق الأب في نقطة غير محددة وقال دون أن يرفع نظره إليها:
-ما سيقال هو كل ما يهمك. أما أنا فلا يهمني شيء.
فقالت الأم:
-وأنت أيضًا تهمنا.
-أنا لا أهم أحدًا. سأبقى هنا.