كان من الواضح لعائشة وللأم أن أي شيء لن يرده عن قراره. فانصاعتا وخرجتا. وعادت عائشة تعتريها مشاعر القلق برغم أنها أوصت الأم والأخوات كثيرًا بأن يبدين اهتمامًا أكبر به.
لم تكن مريم فيما بعد تؤمن بالغيبيات. إذ باتت تميل إلى تفسير الظواهر بشكل علمي ومنطقي، ومع ذلك لم يقو علمها ولا منطقها على تفسير ذلك الإحساس الذي انتابها قبل سنين طويلة:
حدث ذلك بعد حوالي الشهرين من انتقالهم إلى المنزل الجديد في أحد الأيام الأخيرة من شهر تشرين الثاني.
استيقظت في ذلك اليوم مبكرًا جدًا، حتى قبل الأم التي تستيقظ عادة قبل جميعهم. أيقظتها فكرة طرقت رأسها كالمطرقة، ففتحت عينيها ولم تفكر في محاولة النوم من جديد ثم نهضت من الفراش بسرعة واتجهت نحو الباب. وفي الخارج أوقفها الضباب الكثير المنتشر.
كانت الأشياء والأحجام وكأنها ساحت في الضباب، ففقدت نهاياتها الحادة وأصبحت كظلال لأشكال هلامية يصنعها ضوء رمادي. نظرت إلى الشرق ورأت أطراف الشمس مازالت محبوسة في مكان اتصال الأفق بالهضاب، وبدت كتلة مشعثة تبعث بأشعة باهتة مطفأة. أبطأت من سرعتها لأن الرؤية لم تكن واضحة، وسارت باتجاه المطبخ. دخلت وأشعلت النور فرأت أباها مايزال نائمًا في فراشه، اقتربت منه وبداخلها ذعر لا تدرك سببه. نادته، فلم يجب، رفعت الغطاء عنه فظهر وجهه ساكنًا دون أية مشاعر. لم يكن حزينًا ولا سعيدًا، كان مغمض العينين نائمًا. فهزت كتفه:
-أبي، استيقظ.
ولم يجبها.
كانت إحدى يديه تحت رأسه والأخرى دسها تحت المخدة، فسحبتها وشعرت ببرودتها حين لمستها. وإذا بها قابضة على السكين… فعلا صوتها قليلًا وهي تهز يده راجية:
-استيقظ يا أبي.
بينما استمر أبوها غارقًا في صمته.
تركت يده فسقطت فورًا إلى جانبه ممسكة بالسكين. أحست مريم أن كل ما بداخلها يسوح وينهار متكاثفًا في قدميها، فتثقلان ولا تقوى على تحريكهما. ويبقى الجزء العلوي من جسمها فارغًا كالكيس سيلتوي قريبًا ويتساقط إلى جانب القدمين.
كان أبوها مغمض العينين مستكينًا يحمل سكينًا في يده وإلى جانب فراشه وضعت تنكة حديدية مملوءة بالتراب، انتابها شعور بالقرف من ذاتها ومن العالم والناس. واعتقدت هنيهة أنها فهمت لماذا كان أبوها يكثر من البصاق.