فهرس الكتاب

الصفحة 873 من 1574

وبقي أمل ما بداخلها يتحدى حزنًا يطير نحوها ليخترقها كالرصاص. جرت قدميها بتثاقل وخرجت من الغرفة، كانت حركتها مربكة، فتعثرت بكل ما في طريقها إلى غرفتهم. وهناك اتجهت إلى حيث تنام الأم وفاطمة، وشرعت توقظهما بتوتر:

-أمي. فاطمة. أمي.

تحركت فاطمة وهي تتذمر:

-ما بك؟

-أبي يأبى الاستيقاظ.

تنحنحت الأم وهمت بالنهوض. أما فاطمة فسألت وهي تدلك عينيها:

-ولماذا أيقظته في ساعة مبكرة كهذه؟

ثم فتحت عينيها، ونظرت بقلق فقالت مريم:

-حاولت إيقاظه مرارًا إلا أنه لم يجبني.

قفزت فاطمة من فراشها وركضت، ولحقتها الأم، وبقيت مريم واقفة في الباب تراقب خيال أمها وفاطمة اللتين غابتا في غيمة الضباب. وراحت تنصت إلى أصوات ستسمعها، قد تطفئ النار فيها أو قد تشعلها. ولم تمض دقيقتان أو ثلاث حتى سمعت صراخ فاطمة والأم.

أخفت مريم وجهها بيديها وتساقطت على الأرض:

-لقد مات. مات أبي.

واخترق كل الرصاص قلبها فبكت بعنف.

ها إن الموت قد اقتحم وحدته أخيرًا. لصًا قفز من النافذة ووجد ما يسرق. ولم تستطع سكين الأب المثلومة أن تردعه.

لقد مات الأب!

وعلا صوت البكاء والصراخ.

بكت مريم بأسى أبًا لم تذق أبدًا طعم انتظار عودته من العمل…

بكت مريم بأسى أبًا لا تذكر أنه حاول مرة أن يضمها إلى صدره، فعاندته بدلع طفولي…

بكت بأسى أبًا لا تذكر أنه في يوم من أيام طفولتها جلب لها حلوى…

بكت مريم بعنف عجوزًا بائسًا كان أباها ومات وحيدًا.

في أي لحظة قد مات؟ ومتى سمعت آخر أنين له؟ حاولت أن تتذكر لتجلد نفسها لأنها بقيت بعيدة عنه في تلك اللحظة.

تركته وحيدًا ليسلم أنفاسه التي لم يملك غيرها للص كان يخافه دائمًا. وخيل إليها أن الضباب هو روح أبيها وقد تحررت من قيودها وذابت في قطرات ماء صغيرة لا متناهية في الفضاء.

لقد مات الأب!

وتجمع الناس في بيتهم.

بكت مريم بمرارة. وتبخرت روح أبيها. انقشع الضباب.

صار بيتهم يعج بالناس عند حلول الظهيرة، حيث جهز الجثمان وحمل الأب في تابوت على الأكتاف.

وأجهشت مريم في بكاء عال حين سمعت من داخلها صوت أبيها الذليل وهو يرجوهم أن يطلقوا سراحه. ثم يهدأ رجاؤه وقتًا قصيرًا إلا أن أنينه يبقى مستمرًا.

بكت مريم وأغمضت عينيها حين رأت في الأفق قبرًا ترتعش الحياة فيه بينما يفتت السكون دبيب جنازة يخفيها الضباب.

سيهيلون التراب عليه… فلن تسمع أنينه من بعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت