سيهيلون التراب عليه ويذهبون، وسينصاع لوحدة أبدية في حفرة داخل الأرض. ولن يحتاج لتنكة مملوءة بالتراب. لأن التراب سيملأ فمه.
بكت مريم بأسى وحرقة عجوزًا كان أباها وعاش معذبًا وحيدًا في قبر طيني. واستكان هادئًا لا فرحًا ولا حزينًا في حفرة في الأرض.
وحاولت بقوة أن تصدق ماقيل فيما بعد بأن تابوته حين تعدى عتبة باب الباحة الخارجي، أصبح خفيفًا جدًا وراح يسابق حامليه إلى الأمام.
مر الشتاء ببرده وما انهارت الغرف الطينية. ولم يقم قاسم بردمها كما وعد. وبقيت تلك الغرفتان قائمتين سنين عديدة تنظران بعيون كابية إلى حياة رتيبة تشيخ أيامها كل صباح.
في الصيف تخرجت شماء من الجامعة محدثة بذلك بهجة كبيرة في البيت الذي بات كئيبًا خاصة بعد وفاة الأب.
وبعد فترة قصيرة من التخرج لاحظت مريم تهامسات مكثفة بين شماء وعائشة، فدارت الشكوك بخلدها: هل ستقوم شماء بتنظيم عائشة أخيرًا؟! استطرفت هذه الفكرة، وحاولت ألا تعير الأمر اهتمامًا.
لكنها أخطأت التقدير في هذه المرة أيضًا، فبعد ذلك بقليل تقدم أحد الشباب لخطبة شماء. وكان من الواضح جدًا لمريم أن شماء ليست موافقة على الزواج منه وحسب، بل تكن له مشاعر معينة جعلتها تضطرب كثيرًا حين حضر إلى بيتهم.
كان شابًا من أبناء القرية، لكنه كان يعيش ويعمل طبيبًا في المدينة المجاورة.
حضر واستقبله قاسم والأم بوجود عائشة.
وبقيت شماء في المطبخ تُعنى بتحضير القهوة واختيار الفناجين المتشابهة، ولشدة ارتباكها لم تنتبه إلى أن القهوة بدأت تفور وتندلق وهي واقفة بجانبها لا تلاحظها، أما عائشة فقد جلست قليلًا مع قاسم والأم وشاركت في الحديث مع الشاب الخاطب، ثم خرجت إلى المطبخ تستعجل القهوة.
بعد مضي ساعة خرج الشاب الخاطب دون أن يلتقي شماء التي اعتكفت في المطبخ وبقيت جالسة في إحدى زواياه وغابت في أفكار كثيرة إلى أن دخلت عائشة والأم فقامت بسرعة وسألت:
-كيف سارت الأمور؟
ردت عائشة: -أنت تعلمين أن الأمر بالنسبة إلى قاسم عادي، إذا لم يكن له أية مصالح خاصة به. فتعامل ببرود ولم يبد عليه أنه سيبت في الأمر سريعًا، لذلك اقترحت أن نستشير العم إبراهيم.
فأكدت الأم:
-هذا واجب، فقاسم وحيد وما من أب يقف معه في أمور كهذه. والعم إبراهيم وقف دائمًا معنا في السراء والضراء، ومن العيب عدم استشارته. توترت شماء وتصاعد القلق في عينيها حين سمعت ذلك، فقالت عائشة: