ثم استمر بعد أن أخذ صوته نبرة فوقية:
-صحيح أنه من عشيرة ليست ذات أصل كعشيرتنا، لكنه جيد، إنه على الأقل أفضل من ابن عمك، فذاك ثقيل الظل متعال لا أحبه، أما هذا فعلى ما يبدو متواضع، ثم إنه -وابتسم- يقدر الكيف ورفقته ليست بالمملة.
كانت الأم التي قامت من نومها تستمع إليه باهتمام، لكنها راحت تهز رأسها تعليقًا على كلامه الأخير، ولم يعرها قاسم بالًا فاستمر يصف السهرة ويروي الطرائف التي حدثت خلالها. وفي نهاية حديثه قال:
-على كل حال نحن اتفقنا منذ البداية وسيحضر بعد يومين هو ورجال من أهله إلى هنا للبت في الموضوع بشكل نهائي. وسأدعو أنا بعض الرجال من الأقارب كي يقوموا باستقبالهم.
وهمّ بالخروج لكنه توقف قليلًا وقال:
-أما عمي إبراهيم فلن أدعوه. وظلت شماء تحدق فيه بفرح طفولي إلى أن خرج.
ثم استلقت في الفراش وحلمت طويلًا وكانت جملة قاسم الأخيرة كافية لتجعلها تغمض عينيها براحة وسعادة.
حسم الأمر بعد يومين، فقد حضر الرجال من طرف الشاب الخاطب وكان معهم المأذون، ووافقوا على كل الشروط بما فيها أن يكون مرتب شماء حين توظفها لأهلها. وعقد قرانها في تلك الليلة.
أما العم إبراهيم فقد ثارت ثائرته حين علم بالأمر. اعتبر موقفهم إهانة صارخة وعدم احترام له، فهم يلجؤون إليه ويأخذون برأيه حين يمس الأمر مشكلة تافهة مع قاسم تضطره لأن يتحمل الإهانة منه بسببهم. أما في موقف جدي كهذا، فلم يقيموا له أي اعتبار، وتجاوزوه ضاربين عرض الحائط برأيه وموقعه الاجتماعي. وأعلن مقاطعته الأبدية لهم.
بدأ القلق يعتري مريم حين اقترب المساء ولم تعد فاطمة من جامعتها. فخرجت نحو باب الباحة، فتحته ونظرت في الشارع لعلها تراها قادمة، ثم أغلقته حين خاب أملها. وعادت لتجلس في الغرفة وتفكر.
وفي اللحظة التي غفلت فيها عن الانتظار دخلت فاطمة ففوجئت مريم وسألت:
-كيف دخلت ولم أرك، فأنا منذ ساعة أترقب عودتك!
ردت فاطمة مازحة:
-دخلت مشيًا على الأقدام، ولم تريني لأنك كنت غائبة في عالم آخر.
-قلقت كثيرًا، وظننت أن شيئًا ما قد حدث، هيا خبريني، كيف مضى اليوم؟
-سأحدثك وأنت تسخنين لي الأكل، فأنا أتضور جوعًا.
اتجهتا إلى المطبخ وراحت مريم تسخن لأختها الأكل وقد فهمت من مزاجها الرائق أن لديها أخبارًا جيدة، وبدأت فاطمة الحديث بانفعال شديد:
-هل تتخيلين أن إدارة الجامعة رضخت أخيرًا، ووافقت على إعادة جميع الطلاب المفصولين إلى مقاعدهم الدراسية؟