فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 1574

الخريف يمرّ من بوّابة الوقت ليغفو على وسادة العمر، والدمع يكتب في صحائف الذكريات أحلام النبض الخافق ونثار القلب ووجيب الزهر المدمّى...

فضاءات الروح ملأى باللواعج وأغاني النخيل الشجية، الفؤاد جمرة، والدم صهيل، وعويل الريح بُردة الأجساد.

يتناهى إلى الأسماع صوت ينوح:

بجت عيني وعين أمّي عليهم ... تجدّد يا حزن قلبي عليهم

أشوف البين مد إيدو عليهم ... مثل سيل تحدّر عل وطا

كفكف المختار دموعه خلسة، بينما كان أبو ياسين يردّد مع القاصودة بعض المقاطع، وكان يزمجر من آونة لأخرى، مهدّدًا الفرنسيين بالثبور.

تملّكتهما الدهشة عندما شاهدا علي بك يخرج مودّعًا من بيت أبي أحمد الصباغ، فوقفا جامدين. اقترب منهما علي بك قائلًا:

ـ أسرعا، فأم أحمد لم تعد تعي ما تقول. إنها في النزع الأخير.

ـ وأنت؟ إلى أين تودّ الذهاب؟

ـ إلى أبي سلطان. بلغني أنه مريض أيضًا.

ـ إذن نذهب معًا.

ـ ادخلا بسرعة، وأنا بانتظاركما.

دخل المختار وأبو ياسين بهدوء. كانت زوجة أحمد تلبس السواد، وتتحدث مع حميدة أخته حديثًا جانبيًا. توقّفتا عن الحديث عندما رأت سعدى والدها مع أبي ياسين. أسرعت سعدى، وقبّلت يد والدها، وحيّت أبا ياسين. دخلوا جميعًا غرفة أم أحمد، وقد أحاط بها حفيداها الحسن والحسين، بينما سامي يذرف الدموع سخية...

اقترب منه المختار، وربّت على كتفه قائلًا:

ـ كلها بيد الله وبأمره يا ولدي. إن حدث مكروه لا سمح الله، فأنا في بيت أبي سلطان.

ألقى المختار النظرة الأخيرة على أم أحمد، وهي مغمضة العينين تهذي باسم أحمد... حوقل أبو ياسين وبسمل، ولم يستطع أن يتمالك نفسه. فجرّه المختار على عجلٍ، وخرجا من البيت.

كان علي بك ينتظرهما. ساروا قليلًا، ثمَّ قال علي بك:

ـ كيف رأيتما أم أحمد؟

قال المختار متنهّدًا:

ـ الأعمار بيد الله. أظن أنها مودّعة.

قال أبو ياسين:

ـ كلّما ذكرت أحمد تمزّق قلبي.

قال علي بك:

ـ أوصيك يا أبا عدنان بها. عليك أن تراقب وضعها الصحي باستمرار. يجب ألا تقصّر بحقّها. ثمَّ أخبرني أوّلًا بأول.

ـ سأفعل إن شاء الله.

ـ أعلمتم بآخر الأخبار؟

صمت المختار وأبو ياسين، وحدّقا في عيني علي بك طويلًا:

ـ لقد ألقوا القبض على فاطمة الجذمور، وربّما ساقوها اليوم إلى سجن /الميّة ميّة/ في بيروت.

ـ يا لهم من أنذال! يسترجلون على امرأة!

ـ لكنها امرأة تعادل مئة رجل يا أبا عدنان. أنسيتَ ما فعلته بالفرنسيين وهم يطاردون الثوار؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت