فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 1574

ـ لا أبدًا. وكيف أنسى؟ لقد رشّت مسحوق الفليفلة الحمراء الكاوية في عيون الجنود الفرنسيين، وكان الثوار من جرّاء ذلك يقتلون الجنود الفرنسيين ويسلبونهم سلاحهم، لقد تسبّبت في مقتل أكثر من عشرين جنديًا فرنسيًا.

ـ لهذا السبب يعاقبونها عقوبة شديدة. سنحاول يا إخوتي إنقاذها بكل ما أوتينا من قوة.

ـ كيف؟

ـ التربّص بالسيارة التي ستنقلها إلى بيروت، والاستيلاء عليها في الطريق إلى حلب.

ـ لكننا لا نعرف متى سيتم سوقها!

ـ سأعرف، وأبلّغكم.

توقّفوا عند باب خشبي عتيق. قرع المختار الباب بهدوء، فتمخّض عن فتاة رائعة الجمال رغم تقادم السنين عليها. وجهها خال من الأصبغة. عيناها الواسعتان يسكنهما حزن عميق. تمتمت شفتاها المكتنزتان عندما رأت أصدقاء والدها:

ـ أهلًا بكم، تفضّلوا.

دخلوا غرفة الضيافة وجلسوا، ثمَّ وقفوا عندما دخلت أمها، ثمَّ تبعتها ضرّتها، فهلّلوا ورحّبوا طويلًا...

قال علي بك:

ـ أين أبو سلطان؟

قالت أم سلطانة:

ـ إنه في غرفته معتكف حزين على فراق أم سلطان.

ـ قيل لي إنه مريض؟

ـ لا. الحمد لله ليس مريضًا.

ـ إذن دعيه يأتِ إلينا.

ـ بالحال إن شاء الله.

دخل أبو سلطان بلحية كثّة ووجه شاحب. سلّم على الجميع، وجلس متهالكًا.

قال علي بك:

ـ ما شاء الله عليك... ماذا تفعل بنفسك يا رجل؟

ـ لقد انتهيت يا علي بك.

ـ انتهيت؟ ما هذا اليأس؟ ميرنا رحلت شهيدة يا أخي. إن الله يحبّها. ادعُ لها بالرحمة، وانفض غبار الكسل واليأس والقنوط. أمامك يا أبا سلطان مهمّة شاقّة.

ـ أنا جاهز. لم يعد أي شيء يمنعني من اللحاق بأم سلطان.

ـ لكن أين سلطان.

ـ إنه ما زال عند الملا حسن يتلقى دروس الفقه والحديث والنحو والبلاغة على يديه. لكنه سيحضر قريبًا. هذا موعده. ماذا تشربون؟

قال المختار:

ـ نريد شايًا، لكن ليس مثل شاي أبي ياسين.

ـ على الرحب والسعة.

خيّم الصمت هنيهة، وهمّ علي بك بالحديث، لكنه صمت عندما فُتح الباب ودخل سلطان يحتضن كتابه ودفتره.

عانق سلطان ضيوف أبيه، وجلس قُبالتهم.

قال علي بك:

ـ ما شاء الله يا سلطان... لقد أصبحت رجلًا.

ـ لقد تجاوز سني العشرين يا عمّاه، وخالاتي وأختي سلطانه يتآمرون عليّ لتزويجي.

ـ ونِعم التآمر يا ولدي، وأنا وأعمامك نضم أصواتنا إليهنّ.

ـ لكن يا عمّاه...

لم يدع علي بك سلطانًا يكمل عبارته، فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت