وراح يشرح أي أوراق يجب أن تأخذها معها، ومواعيد عمل السفارة، ثم هم بالخروج فاستوقفته فاطمة لتناول القهوة، لكنه اعتذر وخرج، ثم جلس في سيارته وانطلق.
كانت الطريق أمام بيتهم ترابية فأثارت السيارة زوبعة غبار صغيرة.
عادت الأم وبناتها إلى الغرفة وما أن دخلن حتى سألت الأم باضطراب:
-ألا شرحت لي الأمر؟ فأنا لم أفهم شيئًا.
لم تعلم الأم بسفر مريم من قبل لأن الموافقة لم تكن مؤكدة فراحت فاطمة تشرح لها الموضوع، وبقيت مريم صامتة تستمع إليها وكأنها نفسها لا تعلم بالأمر.
الزوبعة التي أثارتها زيارة ذلك الرجل لم تعكر الجو وحسب. لم تستطع بعدها فاطمة العودة إلى كتابها، وجلست الأم على فراشها بعد أن تهيأت للنوم دون أن تدلي بالكثير من الأسئلة كعادتها بل كانت أسئلة متقطعة يتخللها صمت مشحون بهواجس وشك وقلق:
-أيعلم قاسم بالموضوع؟
ردت فاطمة على الأم؟
-سنخبره حين يأتي.
-وإذا سافرت، فمتى ستعود؟
ردت فاطمة بطريقة حازمة:
-إذا سافرت يجب عليها أن تكمل دراستها أولًا ومن ثم تعود، وإلا فلم السفر من أصله؟
وساد الصمت المشحون من جديد. كانت الأم تدرك أن الإجابة عن سؤالها القادم سترعبها فترددت في الإفصاح عنه وبعد فترة تجرأت وسألت:
-وكم من السنين يستدعي ذلك؟
فردت مريم:
-ست سنوات يا أمي.
أحنت الأم رأسها وراحت تعبث بكفيها، تفركهما وتمسدهما، كأنها تستحثهما على فعل شيء، لكنها كانت تشعر بضعف شديد دب فيهما فحافظت على الصمت. إنه ليس بالحدث العابر الذي تستوضحه بالأسئلة إرضاء لفضول ما. وليس بالخبر المثير الذي يصبح مدار حديث قاتل لساعات الملل. إنه أحد الأمور التي قل ما تحدث وتمس شيئًا في الصميم، تعكر رتابة حياة مستكينة، فلا تعود الأسئلة ولا الأجوبة قادرة على أن تعيد إلى الروح طمأنينتها وهدوءها، وراحت تفكر: لماذا السفر؟ لماذا لا تدرس هنا كباقي أخواتها؟ ولماذا الهندسة؟
في تلك اللحظة لم تعنِ لها كلمة مهندسة أي شيء، ولم تبعث أي فخر في نفسها، بل كانت تتساءل: أيبرر كل ذلك ألم الفراق ولديها من الألم ما يكفيها؟
انتبهت مريم لصمت أمها، وبدت لها حزينة وضعيفة، وشعرت بفكرة تنخر قلبها: ست سنين!! هل ستقوين على انتظاري. وقفزت كمن لدغ فجأة، فخرجت من الغرفة وانخرطت في بكاء صامت ولم يحد من بكائها دخول قاسم باب الباحة الخارجي.